قال تعالى: {وَالْغَارِمِينَ} [التوبة:60] معطوفة على الفقراء أم على الرقاب؟ على الرقاب، وذلك لأن العامل أعيد (في) فانفصل ما بعدها عما قبلها فصارت الغارمين معطوفة على الرقاب، يعني: وفي الغارمين، فمن هو الغارم؟ الغارم: من في ذمته حق ماليٌ لا يستطيع وفاءه.
مثلًا: إنسان اقترض من شخص مالًا، وعجز عن وفائه، هذا غارم أم غير غارم؟ غارم.
إنسان آخر اشترى من شخص سيارة ثم عجز عن وفائها هذا أيضًا غارم، إنسان اشترى حوائج لبيته وعجز عن تسديدها هو أيضًا غارم، إنسان تزوج واستقرض لزواجه وعجز عن الوفاء، هل هو غارم؟ نعم.
إذًا: الغارم هو كل من في ذمته حق مالي عجز عن وفائه من ثمن مبيع، أو أجرة، أو قرض، أو ضمان متلف، أو غير ذلك، هذا الغارم.
هل يشترط تمليك الغارم؟ بمعنى أن أقول للغارم: خذ هذه الزكاة أوف بها، أو لا يشترط؟ لا يشترط لأن الله قال (الغارمين) عطفًا على قوله: (في الرقاب) ومعلوم أن الرقاب لا يشترط تمليكها، أنت تشتري العبد، ولا تملكه هذا المال، تشتري العبد بالزكاة وتعتقه، ولا تملكه الزكاة، إذًا: الغارم لا يشترط تمليكه، وعلى هذا فلو ذهبت أنت إلى الطالب الذي يطلب الغارم وقلت: يا فلان! أنت تطلب فلانًا كذا وكذا فيقول: نعم، تقول: تفضل، هذا الطلب تبرأ بذلك ذمتك أو لا، إذا قال قائل: الغارم ما علم ولا درى، نقول: وإن لم يكن يعلم لأنه لا يشترط تمليك الغارم.
هل يجوز إسقاط الدين عن الغارم من الزكاة؟ بمعنى أن يكون علي زكاة تبلغ ألف ريال، ولي غارم مطلوب بألف ريال لكنه فقير، فأقول يا فلان! أسقطت عنك ألف ريال عن زكاتي هل يجزئ؟ لا يجزئ، لماذا؟ أولًا: لأن الزكاة أخذ وإعطاء {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة:103] هذا في القرآن، وفي السنة قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لـ معاذ بن جبل: (أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم) لابد من أخذ وإعطاء.
ثانيًا: الزكاة عن شيء معين بيدك تملكه، والدين في ذمة الفقير هل هو بيدك؟ لا.
ولا تملكه، لكن كما يقول العوام: عبد ابن غنام يوم ألوى في البئر قال له السيد: أنت عتيق، وتعرفون هذه القصة قصة عبد رقيق عند سيده، يؤذيه سيده ويكده ويتعبه ليلًا ونهارًا فيطلب منه العتق، يا سيدي! أعتقني حررني فكني، ولكن يأبى، وفي يوم سولت لهذا العبد نفسه قال: البئر أو ابن غنام - ابن غنام سيده- فوقف على البئر وألقى نفسه في البئر، وفي حال هويه في البئر إذا سيده ينظر قال: أنت عتيق حر لله، حسنًا متى قالها؟ بعد أن سقط في البئر، فلذلك صارت مضرب المثل إن صحت القصة فالله أعلم.
على كل حال هذا الإنسان الذي عنده مثلًا مائة ألف وزكاتها بقدر ما في ذمة الفقير إذا أسقط عن الفقير وقال: أريدها من الزكاة نقول ما يصير هذا، المال الذي بيد الفقير مثل التالف ولا يجزي، قال شيخ الإسلام رحمه الله: والدين لا يجزئ زكاة عن العين بلا نزاع.
سؤال ثان: هل يجوز أن أقضي دين الميت من الزكاة؟ إنسان ميت ليس له تركة، عليه دين هل يجوز أن أؤدي دين هذا الميت من الزكاة؟ لا.
لا يجوز لماذا؟ أولًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقضي دين الأموات من الزكاة، أبدًا، ولهذا كان إذا قدمت له الجنائز قال: هل عليه دين؟ إن قالوا: نعم، قال: له وفاء؟ إن قالوا: لا.
قال: ما أصلي عليه، صلوا عليه أنتم ولا يصلي عليه مع أن الزكاة عنده، والصدقة عنده، لما فتح الله عليه وكثرت المغانم وكثرت الأموال صار يقول: إذا قيل هذا الميت عليه دين، قال: (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم) كما قال ربه عز وجل: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [الأحزاب:6] ثم قال: (من ترك دينًا فعلي، ومن ترك مالًا وضياعًا فلورثته) إذًا قضاء الدين على الميت من الزكاة لا يجزي، لأن الرسول ما كان يقضيه.
هذه واحدة.
ثانيًا: أيهما أولى أن نقضي دين الميت الذي قدم على ربه، وإذا كان قد أخذ أموال الناس يريد أداءها فإن الله يؤدي عنه كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه) ، أو أقضي دين الأحياء الذين ذل الدين على وجوههم؟ أيهم أولى؟ الأحياء لا شك، ولهذا يقال: الدين هَمٌّ في النهار، وسهر في الليل، هذا صحيح، وذل أيضًا، ولهذا تجد الإنسان المستغرق بالدين يتحاشى الناس، إذًا من الأولى: هذا الميت الذي قدم على ربه وربما يكون أخذ أموال ناس يريد أداءها فيؤدي الله عنه أو هذا الحي؟ الحي.
ثالثًا: لو قلنا بجواز صرف الزكاة في ديون الأموات لكان الناس يفتشون في الدفاتر القديمة يكون سابع جد من أجداده عليه دين، يقول: والله بقي أن أؤدي الزكاة لهذا المدين، ثم إذا تابع السابع السادس الخامس الرابع الثالث الثاني الأول؛ تذهب أموال الناس كلها في قضاء ديون الأموات؛ لأن عاطفة الناس على الأموات أكثر من عاطفتهم على الأحياء فيقول: ارحم هذا الفقير المرتهن بدينه في قبره، ارحمه وأعطه زكاتك واقض ديون الأموات، ثم يذهب الرجل ينظر في دفاتر الناس هل على أبيك دين، أو جدك، أو جدتك، أو أمك، أو أختك؛ فتنتهي الزكاة للأموات.
لذلك حكى بعض العلماء -كـ ابن عبد البر رحمه الله- إجماع العلماء على أن الزكاة لا تدفع في دين الميت، لكن الصحيح أن فيها خلافًا لكنه خلاف مرجوح، فالراجح أنها لا يقضى بها على ميت، وقد عرفتم وجه ذلك من دلالة السنة على هذا ودلالة النظر، هذا في الغارمين.