الصحابة لغة: من صحِب يصحب فهو صاحب، والجمع: أصحاب، وصحاب وصحبة، ولها في اللغة العربية معانٍ متعددة تدور كلها على الملازمة والانقياد، ولهذا تقول: هذا صاحب لي، أي: ملازم وينقاد لي، إذا كان صاحبًا صادقًا، فإذا قلت له: سنذهب إلى مكان كذا لا يردك أبدًا، أي: أن بينك وبينه علاقة ومحبة ومودة توجب لك معها الملازمة والانقياد.
يقول الراغب في مفرداته: الصاحب الملازم إنسانًا كان أو حيوانًا أو مكانًا أو زمانًا، ولهذا يقول الله تعالى: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة:40] {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ} [الكهف:9] لأنهم لازموا المكان وصاروا أصحابًا له، ولذلك قال الله: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} [البقرة:82] دل على أنهم في مكان وسموا أصحابًا لها، ونسأل الله أن نكون من أصحابها.
والصحابي: منسوب إلى الصحابة، قال الراغب في مفرداته: والصاحب في العرف -أي: في عرف الناس- هو من طالت صحبته وكثرت ملازمته.
أما تعريف الصحابي عند المحدثين، فيقول البخاري رحمه الله تعالى ورضي عنه كما في صحيحه: الصحابي هو من صحب النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه.
يقول الإمام أحمد رحمه الله ورضي عنه في الصحابي: إنه يطلق على من صحب النبي صلى الله عليه وسلم سنة أو شهرًا أو يومًا أو ساعة أو رآه مجرد رؤية، ولعل من أمثلة الذين رأوه مجرد رؤية الذين حجوا معه في حجة الوداع، لما علم الصحابة أن الرسول صلى الله عليه وسلم سيحج وأذن في الناس بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم سيحج هذا العام قدمت الجزيرة كلها، ما من أحدٍ يستطيع أن يأتي إلى محمدٍ صلى الله عليه وسلم راجلًا -أي: مشيًا على قدميه- أو راكبًا، إلا وفد، كلهم حرصًا منهم تأسيًا بالنبي صلى الله عليه وسلم، فمن الصحابة من لم يكن رآه إلا مرة واحدة صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك يسمى هذا صحابيًا.
ذكر الإمام الحافظ ابن حجر في مقدمة كتابه الإصابة أصح التعاريف في هذا الأمر، قال: وأصح ما وقفت عليه في تعريف الصحابي أنه من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به، ومات على الإسلام، ومعنى: مات على الإسلام لئلا يكون لقي النبي صلى الله عليه وسلم ومات على الكفر، كمثل بعض الذين أسلموا ثم ادعوا النبوة وقتلوا مرتدين، أو الذين حجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم ارتدوا بعده، فلا نقول: هذا صحابي، قال: فيدخل فيه من طالت مجالسته له أو قصرت، ويدخل فيه كذلك من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أو لم يرو عنه، ويدخل فيه من غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم أو لم يغزُ معه صلى الله عليه وسلم، ويدخل فيه من رآه رؤية بصرية أو لم يره ببصره، كـ عبد الله بن أم مكتوم ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: رآه ببصره ولو لم يجالسه، أو لم يره لعارضٍ كالعمى، وهذا التعريف لا شك أنه أصح التعاريف، وهو الذي رجحه الإمام البخاري، وهو تعريف شيخه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.
قال أهل الأصول: إن تعريف الصحابي: كل من طالت صحبته، (قالوا: طالت) والأولون لم يقولوا: طالت أصلًا، إنما يكفي مجرد الرؤية.
قالوا: من طالت صحبته مع النبي صلى الله عليه وسلم متبعًا إياه، والأصح عدم تحديد الطول.
وبعض العلماء قال: ستة أشهر، وقيل: سنة، وقيل: لا بد أن يغزو مع الرسول صلى الله عليه وسلم.
وبعضهم قال: لا بد أن يروي عنه، وإذا لم يروِ عنه لا يُسمى صحابيًا، ولكن لا عبرة بما قاله هؤلاء.
وقالوا أيضًا: ولا يوصف من جالس عالمًا ساعة بأنه من أصحابه.
شخص جلس مع شخصٍ لمجرد درس أو كلمة أو إفتاء أو غيره لا يسمى من أصحابه، قال القاضي عياض رحمه الله نقلًا عن الواقدي: إنه يشترط -أي: الواقدي - أن يكون بالغًا، ولكن هذا القول ضعيف وليس بصحيح، لخروج كثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الصغار الذين شاهدوه ورأوه وهذا القول كما قال الحافظ ابن حجر: قول شاذ.
وقال الإمام العراقي رحمه الله: إنه روي عن ابن المسيب: لا يعد صحابيًا إلا من أقام مع النبي صلى الله عليه وسلم سنة أو سنتين، أو غزا معه غزوة أو غزوتين، ولا شك أن قول ابن المسيب هنا ضعيف ولا يصح سنده عنه؛ لأنه نقل عن الواقدي.