ولذا سما الإسلام بالإنسان روحًا وجسداًَ، عقلًا وقلبًا، ولم يضع في عنقه غلًا، ولا في رجله قيدًا، ولم يحرم عليه طيبًًا، كما أنه لم يدعه كالكرة تتخطفها مضارب اللاعبين، فتتهادى في كل اتجاه، بل خاطبه ربه خطابًا صريحًا: {يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} [الانفطار:6-8] {يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ} [الانشقاق:6] .
يقول ابن القيم رحمه الله: اعلم أن الله سبحانه وتعالى اختص نوع الإنسان من بين خلقه بأن كرّمه وفضّله وشرّفه، وأنزل إليه وعليه كتبه، وأرسله وأرسل إليه، فللإنسان شأن ليس لسائر المخلوقات؟
ومِن ثَمَّ عباد الله! فإن الناس في هذه القضية طرفان:
فالماديون التحرريون: قالوا: إن الإنسان يعيش لنفسه، ومتاع الدنيا، فإذا كان الأحمق منهم يعيش ليأكل؛ فإن العاقل منهم يأكل ليعيش.
وأما المؤمنون الموحدون: فقالوا: إنما يعيش الإنسان لربه الأعلى، ولحياته الباقية الأخرى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون:115] .