خلق الله الإنسان خاتمة خلقه، وسلطه على كل الخليقة، وجعلها خادمة له تقدم له من أنواع الخدمة بأسرها مما تتداوله الأيدي أو تنظره الأعين. ولكن ذهب الغرور بالتلموديين في الأعصر الخالية، فتصوروا أن أنفسهم من طينة أرفع من طينة باقي العالم، وأن بقية نوع الإنسان الذين لم يعتنقوا الديانة الإسرائيلية خدم لهم كغيرهم من الحيوانات الغير العاقلة. ولما كانوا يخفون تعاليمهم ومبادئهم، ولم يروا لهم ضداًّ ذا بال يردعهم عن أفعالهم الوحشية، طمحوا في تيه ضلالهم حتى خيل لهم أن ما في السماوات والأرض مخلوق لهم، ونصبوا أنفسهم آلهة، لأنهم كانوا يعتقدون أن لهم القدرة على تحليل يمين الله وعدم حنثه بها، وأنه (عز شأنه) جاء أمرًا فريًّا لما جعل الأمة اليهودية تعيسة، وأنه يبكي وينوح حيث صرح بهدم بيت المقدس )سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ((الإسراء:43) واستبدت الحاخامات فلا شريعة لهم سوى مرادهم، ولا قانون يردعهم سوى هواهم، فأمروا بسوء معاملة باقي الشعوب، وقتل أولادهم، واستنزاف دمهم وثروتهم، واعتبارهم بصفة حيوانات غير متفكرة. وبالجملة فكانوا يتصرفون فيهم تصرف المالك في ملكه، وسموهم: الأجانب، والوثنيين.
فاتبع بعض اليهود في ذلك الوقت هذه الخطة الوخيمة، وقست قلوبهم (فهي كالحجارة أو أشد قسوة، وإن من الحجارة لما يتفجر منها الأنهار، وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما يعملون) .