فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 144

لكتاب الكنز المرصود في قواعد التلمود

بقلم المرحوم العلامة الجليل الشيخ مصطفى الزرقاء

لما كنا أطفالًا في مدينة حلب موطني الأول من بلاد الشام (سورية) كنا نسمع الأمهات يمنعن أولادهن الصغار من الخروج خارج البيوت وحدهم، ويحذّرنهم بأن اليهود يخطفون الأطفال خِفية، ويأخذونهم إلى حيث يستنزفون دماءهم!

وفي يفوعتنا كنا نتلقى التوصيات بأن لا يمر أحد في حارة اليهود منفردًا (وهي حارة طويلة متعرجة) وأنه إذا مر فيها أحد منا فدعاه يهودي لدخول بيته لإيقاد النار لهم بحجة أنهم لا يمسون النار يوم السبت، فيجب أن لا يدخل حذرًا من أن يغدروا به فيقتلوه باستنزاف دمه!

فلما كبرنا ووعينا وتثقفنا كنت أتذكر هذه التخويفات، التي كنا نتلقاها في طفولتنا الأولى وفي يفوعتنا، وانتقدها وأعدها من الجهالات في أساليب التربية التي درسنا قواعدها الحديثة وأصولها، ومن قبيل إساءة الظن بمواطنين من الأقلية الصغار المساكين!!!

ثم لما برزت المشكلة الفلسطينية، وذر قرن الصهيونية اليهودية، بدأنا نسمع عن اليهود وعقائدهم الخطيرة وأفاعيلهم المذهلة، ومكرهم العالمي، ومؤامراتهم الخبيثة وخطرهم على البشرية جمعاء ما جعلنا نعيد النظر في الصورة المنطبعة في أذهاننا عن مسكنتهم المصطنعة، ولكن بقيت قضية خطف الأشخاص واستنزاف دمائهم في نظرنا خرافة لا تصدق، حتى وقع إليّ منذ سنوات مجموعة الأستاذ أسد رستم (أستاذ التاريخ الشرقي في الجامعة الأمريكية ببيروت، الذي توفي من بضع سنوات) ، التي جمع فيها بعض وثائق تاريخية تتعلق بتاريخ سورية في زمن إبراهيم باشا (ابن محمد علي) من سنة (1247 ـ 1255هـ) ونقلها عن سجلات المحكمة الشرعية بحلب وأنطاكية وحماة ودمشق في سنة 1927م فإذا به يفتح الجزء الخامس منها بقصة خطف اليهود في دمشق للقسيس الفرنسي الجنسية المسمى: الأب (البادري) توما وخادمه إبراهيم عمار، وذبحهم إياهما، وإرسال دمهما إلى كبير الحاخامين ليدخلوه في خبز الفطير الذي يوزعه الحاخامون على الأسر اليهودية في عيد الفصح السنوي. وينقل الأستاذ أسد رستم من سجلات المحكمة التي حاكمت الفاعلين من الحاخامين وسواهم محاضر جلساتها ووقائعها وينشرها في كتابه المذكور حرفيا، وتصويرها بصورة زنكوغرافية لأول هذه المحاضر بالخط المدون به في سجل المحكمة، وذلك في عهد احتلال جيش إبراهيم باشا المصري وحكمه في سورية. فقرأت القصة مذهولًا من التفاصيل التي فيها، وأنا أفرك عيني بين الحين والحين، خشية أن أكون في منام وأحلام!!! حتى إذا لم أجد في اليقظة شكاّ، رجعت إلى ذاكرتي عن أخبار الطفولة، ورأيت أن ما ظننته من تخويف الأمهات وتحذيرهن جهلًا بأصول التربية، أو إساءة ظن بمواطنين ذوي مسكنة، كان هو الحقيقة الواقعة وأن ظني هو الغرارة والجهالة!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت