العظمة والفخفخة ، فإذا نظروا إلى الملوك وحشمتهم وما هم فيه من ترف ونعيم وزينة وزخرف ، فكأنهم ينظرون إلى صور ودمى قد كسيت ملابس الإنسان .
عن أبي موسى قال: انتهينا إلى النجاشي وهو جالس في مجلسه وعمرو بن العاص عن يمينه وعمارة عن يساره والقسيسون جلوس سماطين ، وقد قال له عمرو وعمارة: إنهم لا يسجدون لك ، فلما انتهينا بدرنا من عنده من القسيسين والرهبان: اسجدوا للملك . فقال جعفر: لا نسجد إلا لله [1] .
الاستهانة بالزخارف والمظاهر الجوفاء:
أرسل سعد قبل القادسية ربعي بن عامر رسولًا إلى رستم قائد الجيوش الفارسية وأميرهم ، فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق والزرابي والحرير ، وأظهر اليواقيت واللآلئ الثمينة العظيمة ، وعلى تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة ، وقد جلس على سرير من ذهب . ودخل ربعي بثياب صفيقة وترس وفرس قصيرة ولم زل راكبها حتى داس بها على طرف البساط ، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد وأقبل عليه سلاحه ودرعه وبيضته على رأسه ، فقالوا له: ضع سلاحك ، فقال: إني لم آتكم وإنما جئتكم حين دعوتموني فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت . فقال رستم: ائذنوا له فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فخرق عامتها . فقالوا له: ما جاء بكم ؟ فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام .
الشجاعة النادرة والاستهانة بالحياة:
ولقد بعث الإيمان بالآخرة في قلوب المسلمين شجاعة خارقة للعادة وحنينًا غريبًا إلى الجنة واستهانة نادرة بالحياة ، تمثلوا الآخرة وتجلت لهم الجنة بنعمائها كأنهم يرونها رأي عين ، فطاروا إليها طيران حمام الزاجل لا يلوي على شيء .
تقدم أنس بن النضير يوم أُحُد وانكشف المسلمون فاستقبله سعد بن معاذ فقال: يا سعد بن معاذ ، الجنة ورب الكعبة ، إني أجد ريحها من دون أحد ، قال أنس:
(1) 140) البداية ج 3 .