قال شداد بن الهاد: جاء رجل من الأعراب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فآمن به واتبعه فقال أهاجر معك ، فأوصى به بعض أصحابه ، فلما كانت غزوة خيبر غنم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئًا فقسمه ، وقسم للأعرابي فأعطى أصحابه ما قسم له وكان يرعى ظهورهم ، فلما جاء دفعوه إليه فقال: ما هذا ؟ قالوا: قسم قسمه لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأخذه فجاء به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما هذا يا رسول الله ؟ قال قسم قسمته لك ، قال: ما على هذا اتبعتك ، ولكن اتبعتك على أن أُرْمَى ها هنا- وأشار إلى حلقه- بسهم ، فأموت فأدخل الجنة ، فقال: إن تصدق الله ليصدقك ، ثم نهضوا إلى قتال العدو فأتي به النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو مقتول فقال: أهو هو ؟ قالوا: نعم ، قال: صدق الله فصدقه [1] .
من الأنانية إلى العبودية:
وكانوا قبل هذا الإيمان في فوضى من لأفعال والأخلاق والسلوك والأخذ والترك والسياسة والاجتماع ، لا يخضعون لسلطان ولا يقرون بنظام ولا ينخرطون في سلك ، يسيرون على الأهواء ويركبون العمياء ويخبطون خبط عشواء ، فأصبحوا الآن في حظيرة الإيمان والعبودية لا يخرجون منها ، واعترفوا لله بالملك والسلطان والأمر والنهي ، ولأنفسهم بالرعوية والعبودية والطاعة المطلقة ، وأعطوا من أنفسهم المقادة واستسلموا للحكم الإلهي استسلامًا كاملًا ووضعوا أوزارهم ، وتنازلوا عن أهوائهم وأنانيتهم ، وأصبحوا عبيدًا لا يملكون مالًا ولا نفسًا ولا تصرفًا في الحياة إلا ما يرضاه الله ويسمح به ، لا يحاربون ولا يصالحون إلا بإذن الله ولا يرضون ولا يسخطون ولا يعطون ولا يمنعون ولا يصلون ولا يقطعون إلا بإذنه ووفق أمره . ولما كان القوم يحسنون اللغة التي نزل بها القرآن وتكلم بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعرفوا الجاهلية ونشأوا عليها ، وعرفوا معنى الإسلام معرفة صحيحة ، وعرفوا أنه خروج من حياة إلى حياة ، ومن مملكة إلى مملكة ، ومن حكم إلى حكم ، أو من فوضوية إلى سلطة ، أو من حرب إلى استسلام وخضوع ، ومن
(1) 145) زاد المعاد ج3 ص 190.