القائمين على مصالحها حارسين لها، ولا ينظرون إلى هذه الحياة كقفص من حديد أو غُلٍّ في عنق فيعادونه ويكسرونه، ولا ينظرون إليها كفرصه من لهو ونعيم ومتعة لا تعود أبدًا فينتهزونها و يهتبلونها، ولا يضيعون منها ساعة ولا يدخرون من طيباتها ، وكذلك لا يعدونها عذابًا وعقوبة بجريمة فيتخلصون منها ولا ينظرون إلى الدنيا كمائدة ممدودة فيتهالكون عليها ، إلى ما في الأرض من نعماء وخزائن وخيرات كأنها مال سائب يتقاتلون عليه ، وإلى الأمم الضعيفة كفريسة يتسابقون في اقتناصها ، بل يعدون هذه الحياة نعمة من الله هي أصل كل خير وسبب كل بر ، يتقربون فيها إلى الله ويصلون إلى كمالهم الإنساني الذي قدر لهم ، وفرصة من عمل وجهاد لا فرصة بعدها: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } .ويعيدون هذا العالم مملكة لله استحلفهم فيها -أولًا- من حيث أصل الإنسان الذي جعله خليفة في الأرض { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} . و-ثانيًا- من حيث إنه إنسان أسلم لأمر الله وانقاد لحكمه فاستخلفه في الأرض واسترعاه أهلها {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} .ومنحهم حق التمتع بخيرات الأرض من غير إسراف وتبذير {خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} ، {وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ } ،وجعل لهم الولاية على أمم الأرض وجماعات البشر يراقبون سيرها وسيرتها وأخلاقها ورغباتها ، فيرشدون الضال ويردون الغاوي ويصلحون الفاسد ويقيمون الأود ، ويرأبون الصدع ويأخذون للضعيف من القوي، وينتصفون للمظلوم من الظالم ، ويقومون