فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 301

متى شاءوا ، فتحررت السياسة من رقابة الدين ، وأصبحت قيصرية أو كسروية مستبدة ، وملكًا عضوضًا ، وأصبحت السياسة كجمل هائج حبله على غاربه ، وأصبح رجال الدين والعلم بين معرضة للخلافة وخارج عليها ، وحائد منعزل اشتغل بخاصة نفسه وأغمض العين عما يقع ويجري حوله ، يائسًا من الإصلاح ، ومنتقد يتلهف ويتنفس الصعداء مما يرى ولا يملك من الأمر شيئًا ، ومتعاون مع الحكومة لمصلحة دينية أو شخصية ، ولكلٍّ ما نوى ، وحينئذ انفصل الدين والسياسة ، وعادا كما كانا قبل عهد الخلافة الراشدة أصبح الدين مقصوص الجناح مكتوف الأيدي ، وأصبحت السياسة مطلقة اليد حرة التصرف نافذة الكلمة صاحبة الأمر والنهي ، ومن ثمَّ أصبح رجال العلم والدين طبقة متميزة ، ورجال الدنيا طبقة متميزة ، والشقة بينهما شاسعة ، وفي بعض الأحيان بينهما عداء وتنافس .

النزعات الجاهلية في رجال الحكومة:

ولم يكن رجال الحكومة حتى الخلفاء أمثلة كاملة في الدين والأخلاق ، بل كان في كثير منهم عروق للجاهلية ونزعاتها ، فسرت روحهم ونفسيتهم في الحياة العامة والاجتماع ، وأصبحوا أسوة للناس في أخلاقهم وعوائدهم وميولهم ، وزالت رقابة الدين والأخلاق وارتفعت الحسبة وفقدت حركة الأمر المعروف والنهي عن المنكر سلطانها ، لأنها لا تستند إلى قوة ولا تحميها حكومة ، وإنما يقوم بها متطوعون لا قوة لديهم ولا عقاب ، والدواعي إلى خلافها متوافرة قوية ، فتنفست الجاهلية في بلاد الإسلام ورفعت رأسها ، وأخلد الناس إلى الترف والنعيم وإلى الملاهي والملاعب ، وانغمسوا في الملذات والشهوات واستهتروا استهتارًا ، ونظرة في كتاب الأغاني وكتاب الحيوان للجاحظ تُريك ما كان هنالك من رغبة جامحة إلى اللهو ، وتهافت على الملاهي والملذات ، ونهمة للجياة الدنيا وأسبابها ، وبهذه السيرة ، وبهذه الأخلاق المنحطة ، ومع هذا الانهماك في الملاهي لا تستطيع أمة أ تؤدي رسالة الإسلام ، وأن تقوم في الدنيا مقام خلفاء الأنبياء ، وتذكر بالله والآخرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت