أما ما وصل إليه المسلون في العلوم الطبيعية والتجريبية، فإنه وإن كان أرقى من العصور السابقة وأكثر ثروة في العلم والاختبار ، إلا أنه لا يتناسب مع فتوحهم الواسعة في دوائر علمية أخرى ، ولا يتلاءم مع المدة الطويلة التي تمتعوا بها في التاريخ ، ولم يظهر فيها من النوابغ والعبقريين مثل ما ظهر في موضوعات أخرى .
وإن ما خلفوه من كتب في الطبيعيات والكونيات والتجارب العلمية ، وإن ما كانت مما استفادت به أوربا في نهضتنا وأقرت بقيمتها ، إلا أنها تتضاءل جدًا أمام هذه المكتبة الهائلة الزاخرة التي أنتجتها أوربا في القرنين السابع عشر والثامن عشر فقط ، فمهما افتخرنا بآثار علماء الأندلس وحكماء الشرق ، فإنها لا تعد شيئًا بجانب الإنتاج الغربي الضخم في العلم والحكمة والتجربة والاختبار ، لا في الكمية ولا في الكيفية ، ولا في الإبداع ولا في الابتكار ، ولا في التدقيق العلمي ولا في الإتقان الفني ، وإذا أرادت أن تعرف مقدار عناية الشرق الإسلامي بالناحية الروحية ونسبتها إلى الناحية العلمية والتجريبية فقارن بين كتاب الفتوحات المكية للشيخ ابن عربي مثلًا وبين أكبر كتاب في الطبيعيات والحكمة ، تر فرقًا هائلًا في ضخامة المادة والعناية بالموضوع والجهاد في سبيله ، وبذلك تعرف ذوق الشرق الغالب عليه .
الضلالات والبدع:
وكاد يحجب توحيد الإسلام النقي حُجُبٌ من الشرك والجهل والضلالة ، وطرأت على النظام الديني بدع شغلت مكانًا واسعًا من حياة المسلمين وشغلتهم عن الدين الصحيح ، وعن الدنيا وميزة المسلمين بين أمم الأرض وفضلهم إنما هو من هذا الدين الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وميزة هذا الدين وإعجازه في صحته وحفظه ، لأنه يمتاز بأنه وحي الله وشريعته ووضعه المعجز وشرعه الحكيم { تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } فإذا عملت فيه عقول الناس ودخلت فيه أعمال الناس وأهواؤهم لم يكن له على الأديان التي حرفها أهلها ، والنظم التي نسجتها أيدي الناس إلا