وبقي القدس في حوزة صلاح الدين ، كما كان ، ولم يكن من حظ المسيحيين إلا إمارة عكة الصغيرة على الساحل .
لقد وقف العالم المسيحي وقفة رجل واحد إزاء المسلمين ، ولكنه لم يستطع أن يزحزح صلاح الدين عن مكانه ، كان جيش صلاح الدين قد أعياه الجهاد الطويل والمتاعب العظيمة ، وقد ظل أعوامًا طوالًا مرابطًا مناضلًا مكافحًا عدوًا قويًا جدًا لكن لم يسمع من جندي واحد أنين أو شكاة. أنهم لم يتأخروا يومًا في الحضور ولم يضنوا قط بالنفائس والنفوس كلما دعاهم صلاح الدين للجهاد وكلما استفزهم للقتال ، وربما شكا أحد الأمراء التابعين له في بعض أودية دجلة البعيدة من هذه النجدة التي لا تكاد تنتهي ولكن قدموا بعوثهم وحضروا لجيوشهم لنصرة السلطان كلما طلبوا . وقد قاتل الجيش الموصلي بكل بطولة وحماسة في حرب أرسوف الأخيرة وكان السلطان واثقًا بأنه سيأتيه المدد من جيوش مصر والعراق وكذلك من جيش الشام الشمالي والمركزي . وكان التركمان والعرب والمصريون مسلمين وخدمة أوفياء للسلطان وحضروا كالعبيد كلما طلبهم السلطان وقد مزج السلطان هذه العناصر المختلفة مزجًا غريبًا وألف بينهم رغم ما فيها من اختلاف في الجنس والقومية وما بين أفرادها من خلافات داخلية ومنافسات قبلية فكانوا كالجسد الواحد . وقد عانى السلطان بعض الصعوبة في توحيد هذه الأجناس ، وقد ظهرت في بعض المناسبات بوادر الخلاف فقد تمرد الجيش في يافا مرة ، ولكن رغم ذلك كله بقيت هذه الأمم المختلفة الأجناس إلى خريف سنة 1192 م خاضعة لأمر السلطان وظلت تجاهد في سبيل الله من سنة 1187 م العام الذي طلبها فيه صلاح الدين للجهاد ، وفي خلال هذه المدة الطويلة لم يسجل التاريخ حادثة عصت فيها مقاطعة أو ثارت فيها دولة تابعة أو رئيس من الرؤساء ، وكانت الآمال الكبيرة التي عقدت بنصيحتهم ومثابرتهم تعي الراسخين في الوفاء والجن الأقوياء ، إنما علمنا قريبًا من أقربائه في العراق ثار عليه ، ولكن السلطان منَّ عليه بالعفو ، وهدأ الرجل ، وبذلك يعلم ما كان للسلطان من نفوذ غريب في دولته ورعيته ، وانتهت