ولكن المسلمين لم يضيعوا ساعات وأيامًا بل ضيعوا أحقابًا وأجيالًا انتهزت فيها الشعوب الأوربية كل دقيقة وثانية ، وسارت سيرًا حثيثًا في كل ميدان من مادين الحياة وقطعت في أعوام مسافة قرون .
ومما ينبئ عن مقدار خمول تركيا في ميدان العلوم والصناعات أن صناعة السفن لم تدخل في تركيا إلا في القرن السادس عشر المسيحي ، ولم تدخل المطابع في العاصمة والمحاجر الصحية في هذه الدولة إلا في القرن الثامن عشر ، وكذلك مدارس الفنون الحربية على النسق الأوربي . وفي آخر هذا القرن كانت تركيا بمعزل عن الصناعات والاكتشافات ، حتى لما شاهدوا بالونًا يحلق فوق العاصمة ظنوه من أعمال السحر والكيمياء . قد سبقتها دول أوربا الصغيرة في الأخذ بأسباب المدنية والرفاه العام ، وحتى سبقتها مصر في اتخاذ السكك الحديدية واستعمال القطارات بأربعة أعوام وفي استعمال طوابع البريد ببضعة أشهر .
تخلفهم في صناعة الحرب:
ولم يكن انحطاط المسلمين في العلوم النظرية والحكمية والمدنية فحسب ، بل كان هذا الانحطاط عامًا شاملًا ، حتى تخلفوا عن أوربا في صناعة الحرب التي كان التركي في الزمن الأخير ابن بجدتها وأبا عذرتها ، قد أقرّ بفضلهم وتبريزهم فيها العالم ، ولكن سبقتهم أوربا باختراعها وقوة إبداعها وحسن تنظيمها حتى هزمت جيوشها الجيوش العثمانية هزيمة منكرة (سنة 1774م) وظهر سبقها في ميدان القتال أيضًا فانتبهت الدولة العثمانية بعض الانتباه ، وانتدبت الماهرين الأوربيين لتنظيم الجيش وتربية العساكر ، وعُني السلطان سليم الثالث في فجر القرن التاسع عشر بالإصلاح ، وكان عصاميًا قد نشأ وتعلم خارج البلاط- خلافًا لسابقيه- وأنشأ مدارس جديدة وكان يُعلم بنفسه في مدرسة الهندسة ، وألف جيشًا على الطراز الحديث ، وأدخل تعديلات وتحسينات في النظام السياسي ، وقد بلغ الشعب حدًا كبيرًا من الجمود والمحافظة على القديم في كل شيء حتى ثار عليه الجيش القديم واغتاله ، وخلفه محمود الثاني الذي حكم من سنة 1807 م إلى سنة