فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 301

ظل تعذيب الجسم مثلًا كاملًا في الدين والأخلاق إلى قرنين ، وروى المؤرخون من ذلك عجائب ، فحدثوا عن الراهب ماكاريوس ( Makarius ) أنه نام ستة أشهر في مستنقع ليقرص جسمه العاري ذباب سام ، وكان يحمل دائمًا نحو قنطار من حديد ، وكان صاحبه الراهب يوسيبيس ( Eusebius ) يحمل نحو قنطارين من حديد ، وقد أقام ثلاثة أعوام في بئر نزح ، وقد عبد الرهب يوحنا ( St. Jhon) ثلاث سنين قائمًا على رجل واحدة ولم ينم ولم يقعد طول هذه المدة ، فإذا تعب جدًا أسند ظهره إلى صخرة ، وكان بعض الرهبان لا يكتسون دائمًا ، وإنما يتسترون بشعرهم الطويل ويمشون على أيديهم وأرجلهم كالأنعام . وكان أكثرهم يسكنون في مغارات السباع والآبار النازحة والمقابر ، ويأكل كثير من الكلأ والحشيش ، وكانوا يعدون طهارة الجسم منافية لنقاء الروح ويتأثمون عن غسل الأعضاء ، وأزهد الناس عندهم وأتقاهم أبعدهم عن الطهارة وأوغلهم في النجاسات والدنس ، يقول الراهب اتهينس: إن الراهب أنتوني لم يقترف إثم غسل الرجلين طول عمره ، وكان الراهب أبراهام لم يمس وجهه ولا رجله الماء خمسين سنة ؛ وقد قال الراهب الإسكندري بعد زمن متلهفًا: واأسفاه ! لقد كنا في زمن نعد غسل الوجه حرامًا فإذا بنا الآن ندخل الحمامات ، وكان الرهبان يتجولون في البلاد ويختطفون الأطفال ويهربونهم إلى الصحراء والأديار وينتزعون الصبيان من حجور أمهاتهم ويربونهم تربية رهبانية والحكومة لا تملك من الأمر شيئًا ، والجمهور والدهماء يؤيدونهم ويحبذون الذين يهجرون آباءهم وأمهاتهم ويختارون الرهبانية ويهتفون باسمهم ، وعرف كبار الرهبان ومشاهير التاريخ النصراني بالمهارة في التهريب ، حتى روي أن الأمهات كن يسترن أولادهن في البيوت إذا رأين الراهب أمبروز ( Ambrose ) وأصبح الآباء والأولياء لا يملكون من أولادهم شيئًا وانتقل نفوذهم وولايتهم إلى الرهبان والقسوس [1] .

(1) 202) اقرأ تاريخ أخلاق أوربا (( ليكي ) )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت