تأثير الرهبانية في أخلاق الأوربيين:
كان نتيجة هذه الرهبانية أن خلال الفتوة والمروءة التي كانت تعد فضائل ، عادت فاستحالت عيوبًا ورذائل ، وزهد الناس في البشاشة وخفة الروح والصراحة والسماحة والشجاعة والجرأة وهجروها ، وكان من أهم نتائجها أن تزلزلت دعائم الحياة المنزلية ، وعم الكنود والقسوة على الأقارب ، فكان الرهبان الذين تفيض قلوبهم حنانًا ورحمة ، وعيونهم من الدمع ، تقسو قلوبهم وتجمد عيونهم على الآباء والأمهات والأولاد ، فيخلفون الأمهات ثكالى والأزواج أيامي والأولاد يتامى ، عالة يتكففون الناس ، ويتوجهون قاصدين الصحراء . همهم الوحيد أن ينقذوا أنفسهم في الآخرة لا يبالون ماتوا أو عاشوا ، وحكى (( ليكي ) )من ذلك حكايات تدمع العين وتحزن القلب [1] .
وكانوا يفرون من ظل النساء ويتأثمون من قربهن والاجتماع بهن ، وكانوا يعتقدون أن مصادفتهن في الطريق والتحدث إليهن ولو كن أمهات وأزواجًا أو شقيقات تحبط أعمالهم وجهودهم الروحية . وروى (( ليكي ) )من هذه المضحكات المبكيات شيئًا كثيرًا
عجز الرهبانية عن تعديل المادية الجامحة:
ولا يتوهم أحد أن هذه الرهبانية الغالية قد عدلت من شره المادية الرومية ، وكبحت من جماحها وغلوائها في البهيمية والشهوات ، فإن هذا لم يكن ولا يكون في الغالب وتأباه الفطرة الإنسانية ويكذبه التاريخ ؛ فإن الذي يوجد الاعتدال ويخفض من المادية الجامحة ويجعل منها حياة معتدلة هو النظام الروحي الديني الخلقي الحكيم الذي يوافق الفطرة الإنسانية الصحيحة ، والذي لا يتصدى لأن يزيل الفطرة الإنسانية ، بل يوجهها توجيهًا نافعًا ، فإنها لا تزول ولكن تميل من شر إلى خير ؛ وهكذا فعل الإسلام ، وهكذا فعل سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، فقد صرف شجاعة