فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 301

عندهم على أساس العلم والحكمة ، واستهزأوا به واتخذوه سخريًا ، ثم انتهى بهم طريقهم الذي اختاروه وبحثهم ونظرهم إلى أنهم جحدوا كل شيء وراء الحركة والمادة ، وأبوا الإيمان بكل ما لا يأتي تحت الحس والاختبار ، ولا يدخل تحت الوزن والعد والمساحة ، فأصبح - بحكم الطبيعة وبطريق اللزوم الإيمان بالله وبما وراء الطبيعة ، من قبيل المفروضات التي لا يؤيدها العقل ولا يشهد بها العلم .

إنهم لم يجحدوا بالله إلى زمن طويل ، ولم يكاشفوا الدين العداء ، ولم يجحدوا به كلهم ، ولكن منهج التفكير الذي اختاروه ، والموقف الذي اتخذوه في البحث والنظر لم يكن ليتفق والدين الذي يقوم على الإيمان بالغيب وأساسه الوحي والنبوة ودعوته ولهجه بالحياة الأخروية ، ولا شيء من ذلك يدخل تحت الحس والاختبار ويصدقه الوزن والعد والمساحة ، فلم يزالوا يزدادون كل يوم شكًا في العقائد الدينية .

افتضاح المادية في الدور الأخير:

ولكن رجال النهضة الأوربية ظلوا قرونًا يجمعون بين النظر المادي الجاحد والحياة المادية ، والطقوس الدينية المسيحية ، بالتقليد أو بتأثير المحيط الذي لا يزال في العالم النصراني ، أو بمصالح خلقية واجتماعية كانت تقتضي البقاء ولو بالاسم على نظام ديني يؤلف بين أفراد الأمة ويحفظها من الفوضى ، حتى افتضحوا في الأخير وصعب الجمع بينهما بسرعة سير الحضارة المادية ، وتخلف الدين والتقاليد وعجزها عن مسايرتها وما في الجمع بينهما من متاعب وضياع للوقت وتكلف هم في غني عنه ، فطرحوا الحشمة ورموا برقع النفاق .

جنود المادية ودعاتها:

ونهض الكتاب والمؤلفون والأدباء والمعلمون والاجتماعيون والسياسيون في كل ناحية من نواحي أوربا ينفخون صور المادية ، وينفثون بأقلامهم سمومها في عقل الجمهور وقلبه ، ويفسرون الأخلاق تفسيرًا ماديًا ، تارة ينشرون الفلسفة النفعية ، وطورًا فلسفة اللذة الأبيقورية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت