فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 301

والسياسيون أمثال ميكيافيلي الفلورنسي ( 1469 - 1527 م ) دعوا من قبل إلى فصل الدين عن السياسة ، وتقسيم الأخلاق إلى شخصية واجتماعية ، وقرروا أن الدين - إذا كان لابد منه - قضية شخصية لا ينبغي أن تتدخل في أمور السياسة والدولة ، وأن الدولة عندهم أعز وأهم من كل شيء ، وأن النصرانية إنما موضوعها الحياة الأخروية ، وأن المتدينين والصالحين لا يفيد وجودهم الدولة ، وإن كان يفيد الكنيسة ، لأنهم يتقيدون بأحكام الدين ، ولأنهم لا يستطيعون أن يحيدوا عن أحكام الدين ومبادئ الأخلاق إذا اقتضت المصلحة غير ذلك ، وأن الملوك والأمراء يجب عليهم أن يتخلقوا بأخلاق الثعالب ، ولا يحتشموا من نقض العهود والكذب والخيانة والغش والنفاق إذا كان في ذلك أدنى مصلحة للدولة إلى غير ذلك ، ونجحت هذه الدعوة وساعدتها عوامل كثيرة من الوطنية والقومية التي خلفت الديانة القديمة .

وأحدث الأدباء والمؤلفون وأصحاب البراعة والقريحة والذكاء ، خصوصًا في ثورة فرنسا وبعدها ، الثورة على الأخلاق القديمة ، والنظم الاجتماعية ، وزينوا للناس الإثم ، ونشروا دعوة الإباحة ، وإطلاق الطبائع من كل قيد ، والفرد من كل مسئولية ، ودعوا إلى التهام الحياة البهيمية ، وإرضاء الشهوات ، وانتهاب المسرات ، واستعجال الطيبات ، وغلوا وأسرفوا في تقدير قيمة هذه الحياة وجحدوا كل شيء سوى اللذة العاجلة والنفع المادة الظاهر المحسوس

نسخة صادقة من الحضارة اليونانية:

فأصبحت الحياة في أوربا في القرنين التاسع عشر والعشرين نسخة صادقة من الحياة في يونان وروما الوثنيتين الجاهليتين ، وعادت الطبيعة الأوربية ( التي كانت النصرانية الشرقية قد قهرتها ) جذعة .

ولا غرابة في ذلك ، فالأوربيون اليوم إنما ينحدرون من أولئك اليونان والرومان ، والسلائل الأوربية الأخرى ترى دينًا خلوًا من الروحانية ، كما لاحظ الدكتور (( هاس ) )في ذكر الحضارة اليونانية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت