عبدالرحمن الكواكبي في مستهل هذا القرن فقد قال في كتاب (( طبائع الاستبداد ) ):
(( الغربي مادي الحياة ، قويُّ النفس شديد المعاملة ، حريص على الاستئثار حريص على الانتقام ، كأنه لم يبق عنده شيء من المبادئ العالية والعواطف الشريفة التي نقلتها له مسيحية الشرق ، فالجرماني مثلًا جاف الطبع يرى أن العضو الضعيف الحياة من البشر يستحق الموت ، ويرى كل الفضيلة في القوة وكل القوة في المال ، فهو يحب العلم ولكن لأجل المال ويحب المجد ولكن لأجل المال ، واللاتيني منه مطبوع على العجب والطيش ، يرى العقل في الانطلاق ، والحياة في خلع الحياة ، والشرف في الزينة واللباس ، والعز في التغلب على الناس ) ).
وهذا تصوير صادق للطبيعة الأوربية وتحليل صحيح للنفسية الغربية ، ولا نظن المرحوم الكواكبي قد تحامى الكلام على غير الجنسين الألماني واللاتيني إلا تفاديًا من الوقوع في العنت ، فجعل الألماني واللاتيني مثلًا لسائر الأوربيين .
الغايات المادية للحركات الروحية العلمية:
وترى هذا الروح المادي في جميع نظم أوربا السياسية والاجتماعية والخلقية التي ابتكرتها أو جددتها شعوبها لهذا العهد ، حتى إن الحركة الروحية التي شغلت الناس كثيرًا في أوربا في الزمن الأخير إنما روحها المادية ، فقد أصبحت صناعة وفنًا كسائر الصناعات والفنون في أوربا ، غايتها مشاهدة عجائب إقليم الروح والاطلاع على أسرارها والتحدث إلى أرواح الموتى وترويح النفس والتلهي ، وليست من تزكية النفس وتصفية القلب والخشوع لله والعمل الصالح والاستعداد للموت والصبر على مكاره الحياة وهضم النفس في شيء ، خلافًا للحركة الروحية والتصوف في الشرق الإسلامي .
كذلك الأعمال التي يضحي فيها الناس بنفوسهم وأرواحهم في الغرب إنما ترجع في الغالب إلى غايات مادية كحسن الأحدوثة وانتشار الصيت وخلود الذكر في التاريخ والتبريز على الناس وأن يتمجد به شعبه ويفتخر ويتشرف به وطنه ويغتبط