فهرس الكتاب

الصفحة 219 من 301

تعلمه أيضًا كيف يستعملها ، وفيم يضعها ، كالكبريت يعطيك نارًا ؛ ولك أن تحرق بها بيتًا على سكانه ، أو تطبخ طعامًا أو تستدفئ بالنار ، والذي يعلم كيف يستعمل الإنسان القوة وفيما يضعها هو الدين ، فالدين يرشد الإنسان كيف ينتفع بقوته انتفاعًا حقيقيًا ، وكيف يشكر نعمة الله ، ويحظر على الإنسان أن يكون بقوته التي خوله الله إياها معينًا على الظلم والجريمة والإثم والعدوان ، كما قال موسى عليه السلام: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ } (القصص) : وقال سليمان: { هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ } .

التخليط بين الوسائط والغايات:

أما الأوربيون فقد حرموا أنفسهم الدين ، فلم يبق لهم رادع من خلق أو وازع من دين ، أو مرشد من علم إلهي يرشدهم إلى الجادة ، ونسوا غاية خلقهم ومبدأهم ومصيرهم وقالوا: {إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ } فاعتقدوا بطبيعة هذه العقيدة أن ليس للإنسان وراء اللذة والراحة والانتفاع المادي والعلو في الأرض وبسط السيطرة عليها - كمملكة لا سيد لها ولا وارث - والتغلب على أهلها والاستئثار بخبراتها وخزائنها ، مقصد ولا غاية ، فاستعملوا هذه القوة والعلم في حصول اللذات والتغلب على الناس وقهر المنافسين ، وتنافسوا في اختراع الآلات التي ينالون بها وطرهم ويعجزون بها غيرهم ، ولم يزل بهم ذلك حتى اختلطت عليهم الوسائط بالغايات ، فاعتقدوا الوسائط غايات ، وافتتنوا بالمخترعات والمكتشفات كغاية في نفسها لا لغيرها ، وعكفوا عليها وتشاغلوا بها كتشاغل الصبيان باللعب والدُّمى ، واعتقدوا أن الراحة هي الحضارة ثم تقدموا وصاروا يعتقدون أن السرعة هي الحضارة .

يقول الأستاذ جود:

(( يقول دزرائيلي Disraeli إن المجتمع في عصره يعتقد أن الحضارة هي الراحة ، أما نحن فنعتقد أن الحضارة عبارة عن السرعة ، فالسرعة هي إله الشباب العصري

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت