وتزيد صادراته على وارداته ، ولا يحتاج إلى الاستدانة من الغرب ، ولا يضطر إلى أن يلجأ إلى راية من راياته وينظم إلى معسكر من معسكراته .
أما ما دام العالم الإسلامي خاضعًا للغرب في العلم والسياسة والصناعة والتجارة ، يمتص الغرب دمه ، ويحفر أرضه فيستخرج منها ماء الحياة ، وتغزو بضائعه أسواق العالم الإسلامي وبيوته وجيوبه كل يوم فتستخرج منها كل شيء ، وما دام العالم الإسلامي يستدين من الغرب الأموال ، ويستعير منه الرجال ، ليديروا حكومته ، ويشغلوا الوظائف الخطيرة ويدربوا جيوشه ويستورد منه البضائع ويجلب منه الصنائع ، وينظر إليه كأستاذ ومرب ، وسيد ورب ، لا يبرم أمرًا إلا بإذنه ولا يصدر إلا عن رأيه ، فلا يستطيع أبدًا أن يواجه الغرب فضلًا عن أن يناهضه ويغالبه
هذه هي الناحية العلمية والصناعية التي أخل بها العالم الإسلامي في الماضي فعوقب بالعبودية الطويلة والحياة الذليلة ، وابتلي العالم الإسلامي بالسيادة الأوربية الجائرة التي ساقت العالم إلى النار والدمار والتناحر والانتحار ، فإن فرط العالم الإسلامي مرة ثانية في الاستعداد العلمي والصناعي والاستقلال في شئون حياته كتب الشقاء للعالم وطالت محنة الإنسانية وبلاؤها .
تبوء الزعامة في العالم والتحقيق:
وقد تنازل العالم الإسلامي - بما فيه العالم العربي - منذ زمن طويل عن مكانته في القيادة العلمية والتوجيه ، والاستقلال الفكري ، وأصبح عيالًا على الغرب متطفلًا على مائدته حتى في اللغة العربية وآداب اللغة وعلومها ، وحتى في علوم الدين كالتفسير والحديث والفقه . وأصبح المستشرقون هم المرشدين الموجّهِين في البحث والتحقيق ، والدراسة والتأليف ، وهم المنتهى والمرجع والحجة في الأحكام والآراء الإسلامية والنظريات العلمية والتاريخية ، وهم الأسوة في النقض والإبرام . وعدد كبير منهم قسوس وإرساليون ويهود ومسيحيون متعصبون ، يضمرون للإسلام وصاحب رسالته - - صلى الله عليه وسلم - - العداء والبغضاء ، وللحضارة الإسلامية السخرية والاستهزاء ، ويخونون في النصوص والنقول ، ويحرّفون الكلم عن مواضعه . ومنهم