فارس والروم وأمراء الدولتين سادرين في غفلتهم لا هم لهم إلا اللذة والتهام الحياة ، وبذخوا بذخًا عظيمًا تخطى القياس ، ودققوا في مرافق المعيشة وفضول المدنية وحواشي الحياة تدقيقًا عظيمًا جدًا ، فكان لكسرى أبرويز 12 ألف امرأة وخمسون ألف جواد وشيء لا يحصى من أدوات الترف والقصور الباذخة ومظاهر الثروة والنعمة ، وقصره مثال في الأبهة والغنى [1] ، يقول مكاريوس:
(( لم يرو في التاريخ أن مليكًا بذخ وتنعم مثل الأكاسرة الذين كانت تأتيهم الهدايا والجرايات من كل البلدان الواقعة ما بين الشرق الأقصى والشرق الأدنى [2] ولما خرجوا من العراق في الفتح الإسلامي تركوا في الخزائن من الثياب والمتاع والآنية والفضول والألطاف والأدهان ما لا يدرى ما قيمته ) ).
وقد وجد العرب قبابا تركية مملوءة سلالًا مختمة بالرصاص ، قال العرب: فما حسبناها إلا طعامًا فإذا هي آنية الذهب والفضة [3] ).
ووصف المؤرخون العرب بهار كسرى الذي أصابه المسلمون يوم المدائن فقالوا:
(( هو ستون ذراعًا في ستين ذراعًا ، بساط واحد مقدار جريب ، أرضه بذهب ووشيه بفصوص وثمره بجوهر وورقه بحرير وماء الذهب فيه طرق كالصور وفصوص كالأنهار ، وخلال ذلك كالدير ، وفي حافاته كالأرض المزروعة ، والأرض المبقلة بالنبات في الربيع من الحرير على قضبان الذهب ، ونواره بالذهب والفضة وأشباه ذلك ، وكانوا يعدونه للشتاء ، إذا ذهبت الرياحين ، فكانوا إذا أرادوا الشرب شربوا عليه فكأنهم في رياض [4] ) ، وهذا يدل على ما وصل إليه البذخ والترفه في المدنية الفارسية .
كذلك كان الشام في الدولة الرومية وحواضرها ، وكانت الدولتان والمدنيتان - الفارسية والرومية .. كفرسي رهان في البذخ والترفه في دقائق المدنية ، وقد بذخ
(1) 118) تاريخ إيران لشاهين مكاريوس طبع 1898 ص 90 .
(2) 119) أيضًا ص 211 .
(3) 120) تاريخ الطبري .
(4) 121) تاريخ الطبري ج4 ص 178 .