الأباطرة ونوابهم وأمراؤهم في الشام بذخًا عظيمًا وحوى بلاطهم وقصورهم ومجالس شربهم ولهوهم من آلات الترف وأسباب الرفاهية شيئًا كثيرًا ، وبلغت من الترف والأناقة شأوا بعيدًا ، وقد وصف حسان بن ثابت الشاعر المخضرم مجلس جبلة بن الأيهم الغساني فقال: لقد رأيت عشر قيان خمس روميات يغنين بالرومية بالبرابط وخمس يغنين غناء أهل الحيرة أهداهن إليه إياس بن قبيصة وكان يفد إليه من يغنيه من العرب من مكة وغيرها ، وكان إذا جلس للشراب فرش تحته الآس والياسمين وأصناف الرياحين وضرب له العنبر والمسك في صحاف الفضة والذهب وأتى بالمسك الصحيح في صحاف الفضة وأوقد له العود المندَّي إن كان شاتيًا ، وإن صائفًا بطن بالثلج وأتي هو وأصحابه بكسى صيفية يتفضل هو وأصحابه بها في الصيف ، وفي الشتاء الفراء الفنك وما أشبهه [1] .
وكان الأمراء والأقيال والأغنياء ورجال البيوتات الشريفة وأفراد الطبقة الوسطى على آثار الملوك يحاولون أن يقلدوهم في لباسهم وطعامهم ومجالسهم وترفهم وكانوا يأخذون أنفسهم بعاداتهم ومناهج حياتهم ، وارتفع مستوى الحياة ارتفاعًا عظيمًا وتعقدت المدنية تعقدًا عظيمًا ، وصار الواحد ينفق على نفسه وعلى جزء من لباسه ما يشبع قرية أو يكسو قبيلة ، وكان لابد منه لكل شريف أو وجيه ، حتى إذا أخل به وأغفله أشير إليه بالبنان وتفادته العيون ، حتى صار ذلك واجبًا من وجبات الحياة وشريعة من شرائع المجتمع التي لا يحل العدول عنها . عن الشعبي قال: كان أهل فارس يجعلون قلانسهم على قدر أحسابهم في عشائرهم ، فمن تم شرفه فقيمة قلنسوته مائة ألف ، وكان هرمز ممن تم شرفه فكانت قيمتها مائة ألف وكانت مفصصة بالجوهر [2] ، وتمام شرف أحدهم أن يكون من بيوتات السبعة ومن الأزادية كان مرزبان الحيرة أزمان كسرى ، وكان قد بلغ نصف الشرف ،
(1) 122) الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني ج14 ، ص 2 .
(2) 123) تاريخ الطبري ج 4 ص 6 .