(( كان يقضي على الشعب الشامي أن يؤدي الجزية وعشر غلاته وأتاوة من المال ورسمًا على كل رأس ، وللشعب الروماني موارد مهمة من الجمارك والمناجم والضرائب والحقول الصالحة لزرع الحنطة والمراعي يؤجرونها من شركات المتعهدين يسمونهم العشارين ، يبتاعون من الحكومة حق جباية الخراج ، وفي كل ولاية عدة شركات من العشارين ، ولكل شركة مستخدمون من الكتاب والجباة يظهرون في مظهر السادة ، ويتناولون أكثر مما يجب لهم أخذه ، ويسلبون نعمة الأهلين ، وكثيرًا ما يبيعونهم كما يباع الرقيق [1] ) .
أوجز أحدهم السياسة الإمبراطورية في الرومان بقوله: (( الراعي الصالح يجز صوف غنمه ولا ينتفه ) )فمضى القرنان وأباطرة الرومان يكتفون بجز سكان مملكتهم يسلبون منهم كثيرًا من الأموال ولكنهم يحمونهم من العدو الخارجي [2] )
شقاء الجمهور:
وهكذا أصبح أهل البلاد في كلتا المملكتين طبقتين متميزتين تمام التمييز: طبقة الملوك والأمراء ورجال البلاط الملكي وأسرهم وعشائرهم والمتصلون بهم والأغنياء ، فكانوا يعيشون بين الأزهار والرياحين ويتقلبون في أعطاف النعيم ، وينعلون أفراسهم عسجدًا ، ويكسون بيوتهم حريرًا وسندسًا .
وطبقة الفلاحين والصناع والتجار الصغار وأهل الحرف والأشغال ، كانوا في جهد من العيش يرزخون تحت أثقال الحياة والضرائب والإتاوات ويرسفون في القيود والأغلال ويعيشون عيش البهائم ، لا حظ لهم في الحياة إلا العمل لغيرهم والشقاء لنعيمهم ولا همَّ لهم إلا الأكل والعلف ، فإذا سئموا هذا العيش المر تعللوا بالمسكرات والملهيات ، وإذا تنفسوا من هذا العناء رتعوا في المحرمات ،ورغم هذا الجهد في لمعيشة يجهدون أنفسهم في تقليد رجال الطبقة العليا في كثير من أساليب
(1) 129) خطط الشام للأستاذ كرد علي ج5 ص 47 .
(2) 130) خطط الشام للأستاذ كرد علي ج5 ص 47 .