حياتهم ، فكان ذلك أشد من الجهد في سبيل الكفاف من الرزق والبلغة من العيش ، فتنغص حياتهم ، ويتكدر صفوهم ويشتغل بالهم .
بين غنى مطغ وفقر منس:
وهكذا ضاعت رسالة الأنبياء ، والأخلاق الفاضلة والمبادئ السامية في العالم المتمدن المعمور بين غنى مطغ وفقر منس ، وأصبح لغني في شغل عن الدين والاهتمام بالآخرة والتفكير في الموت وما بعده بنعيمه وترفه ، وأصبح الفلاح أو العامل في شغل عن الدين كذلك لهمومه وأحزانه وتكاليف حياته ، وأصبحت الحياة ومطالبها همَّ الغني والفقير وشغلهما الشاغل ، وكانت رحى الحياة تدور حول الناس في قوة لا يرفعون فيها إلى الدين والآخرة رأسًا ، ولا يتفرغون لما يتصل بالروح والقلب والمعاني السامية ساعة .
تصوير الجاهلية:
وقد صور أحد كبار علماء الإسلام [1] هذه الحال فأجاد التصوير ، قال:
(( اعلم أن العجم والروم لما توارثوا الخلافة قرونًا كثيرة وخاضوا في لذة الدنيا ونسوا الدار الآخرة واستحوذ عليهم الشيطان ، وتعمقوا في مرافق المعيشة وتباهوا بها ، وورد عليهم حكماء الآفاق يستنبطون لهم دقائق المعيشة ومرافقها ، فما زالوا يعملون بها ويزيد بعضهم على بعض ويتباهون بها حتى قيل إنهم كانوا يعيرون من كان يلبس من صناديدهم منطقة أو تاجًا قيمتها دون مائة ألف درهم أو لا يكون له قصر شامخ وآبزن [2] وحمام وبساتين ، ولا يكون له دواب فارهة وغلمان حسان ، ولا يكون له توسع في المطاعم وتجمل في الملابس وذكر ذلك يطول ، وما تراه من ملوك بلادك يغنيك عن حكاياتهم ، فدخل كل ذلك في أصول معاشهم ، وصار لا يخرج من قلوبهم إلا أن تمزع ، وتولد من ذلك داء عضال دخل في جميع أعضاء المدينة وآفة عظيمة ، ولم يبق منهم أحد من أسواقهم ورستاقهم وغنيهم
(1) 131) وهو شيخ الإسلام ولي الله بن عبدالرحيم الدهلوي ( م 1176 هـ ) .
(2) 132) فسقية .