وإن تكن ترها قامت به ترها ... تجليات له في كلّ معتقد
نعم تنزّه عنها وهو في أزل ... من قبل إظهارها بالمنزه الصّمد
وهو المنزّه أيضا في الظهور بها ... عن والد يقتضي منها وعن ولد
لأنّها عدم وهو الوجود لها ... وإن خلت عنه لم تبد ولم تعد
ما الزهد عندي مقام إذ يدلّ على ... قطع العوالم لي عن صاحب المدد [1]
وكيف أزهد في الأشياء وهي به ... كانت وكان بها أيضا إلى الأبد
وقال رضي الله عنه:
نهر القضاء بما يختار خالقنا ... وما يريد هو الجاري إلى الأبد
عليه طاحونة الأفلاك دائرة ... وقطبها القطب سرّ الواحد الأحد [2]
وما تولّد فيما بين طابقها ال ... أعلى وطابقها الأدنى على الرّصد
من الجماد وأنواع النبات وحي ... وان تراه وإنسان بلا عدد
مثل الحبوب بدت للطّحن مفرغة ... شيئا فشيئا بحكم النفس والجسد
فكلّما حبة قد جاء موعدها ... أصابها الطحن لم تبد ولم تعد
حتى تصير كما كانت مفرّقة إل ... لا جزاء وهي لهذا الأمر طوع يد
عناصر كدقيق ميّزته يد ... بمنخل الرّتب المكسوبة الجدد
حكم من الحاكم القهّار في أزل ... بمقتضى ما قضى فيها من الأمد
حتى يحوّل ذاك النهر عن جهة ... يجري إلى جهة أخرى بذي المدد
فيفرغ الطحن والطاحون تخرب من ... هنا ويفسد مرأى هذه البلد
ويظهر الأمر في دار الخلود بلا ... نهاية عند ذي غيّ وذي رشد
هناك ينكشف السرّ الذي خفيت ... أنواره اليوم عن ذي الغفلة العند
وقال رضي الله عنه:
لنا طالع الغيب المقدّس يا سعد ... فلا نحس بل أوقاتنا كلّها سعد
وأفلاكنا دارت على حكم ربّنا ... بما يقتضيه الحظّ والعيشة الرغد
هي الشمس من أبراج أكوانها بدت ... ولا برج في التحقيق إن هي لا تبدو
(1) الزهد: قال ابن الجلاء: الزهد هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال لتصغر في عينك فيسهل عليك الإعراض عنها. (للتوسّع انظر حديث القشيري عن مقام الزهد برسالته ص 119115) .
(2) الطاحونة: آلة الطحن.