وما ملت يوما عنك للغير سلوة ... وكيف ويا نوري معي أنت حاضر
وأنت رفيقي لا رفيق سواك لي ... وإن أنا عن إيفاء حقّك قاصر
أحبّك لا بي بل بك الحبّ منّة ... عليّ كما أنّي بك الآن شاكر
يقول عذولي: لا تخاطر بقربه ... وهل يدرك المأمول إلّا المخاطر
وإنّي لأدري أنّ طرق وصاله ... تدور على الأقوام فيها الدوائر
ولكن له سلّمت نفسي فإن يرد ... هداها وإن يضلل فما هو جائر
وماذا عسى نفسي تعادل في الورى ... فمن أجلها عن مالكي أنا نافر
فررت به مني إليه لأنّني ... تحقّقت أن لا غير والأمر ظاهر
فكان اضطرارا كون قلبي موحدا ... له وبه لأبي أنا اليوم ذاكر
أهيم بأنفاس النسيم وإنّني ... بطيب الحمى لا بالنسائم عاطر
وأظهر أنّي قد ظفرت بعلمهم ... وقلبي بذات الخال لا العلم ظافر
ودونك شرعي إن هويت طريقتي ... فإنّي مدى عمري إلى الحبّ سائر
وكن هكذا مثلي فقيرا من السّوى ... ومن نفسه تأتيك منك الذخائر
وغب عنك وامح نقطة الغين ثابتا ... وغص في بحار الجمع تبد الجواهر
ولأنّك من قوم أماتت ذنوبهم ... نفوسا لها الأجسام منهم مقابر
فإنّ طريق الحقّ سهل سلوكه ... وأوضح منه ليس يدرك ناظر
وليس بذكر أو بفكر تناله ... سوى بالصفا والمحو عمّا يغاير
وهذا حجاب النفس يصعب خرقه ... وعقلك منه وهو للحقّ ساتر
فمت في الهوى تحيى وأغمض عن السّوى ... تقرّ بذاك الوجه منك النواظر
طلبت مقاما بذل روحك شرطه ... وأنت على ما أنت ناه وآمر
وما هكذا شرط الهوى إن ترد فرد ... فناء الفنا وانس الّذي أنت ذاكر
ووطّن على الإنكار نفسك والأذى ... فمن عسلا يجني على النحل صابر
وقد كثرت فيه العواذل غيرة ... وقلّ لطلاب الحقيقة ناصر
فإن شئت فاقدم هكذا الشرط بيننا ... وإلّا فلا تقدم لأنّك آخر
وقال رضي الله عنه:
لو تجلّى عن ناظريك الغبار ... لرأيت الكؤوس كيف تدار
ولبانت نار لديك كما با ... نت لموسى من جانب الطور نار
ولزالت رسوم ذاتك فيمن ... لم يزل وانمحت به الآثار
وتبدّت فريدة الحسن تجلى ... زائلات عن وجهها الأستار
ورأيت الهدى وأرشدك الد ... فّ وصوت الغناء والمزمار
لكن القلب منك في غفلات ... وعلى وجهك الكثيف خمار
ويقينا إنّ التكاثر ألها ... ك وعزّت بوهمك الأغيار
ورمتك الذنوب في ظلمات ... من شكوك بها العقول تحار
فاجتهد واقصد الحقيقة واطلب ... ولتكن فيك همّة واصطبار
وتذلّل بباب ديرك واخضع ... فعسى أن يريدك الخمّار
إنّما أنت عند نفسك وهم ... ظهرت منك هذه الأطوار
والّذي أنت فيه محض غرور ... وهو في مذهب الحقيقة عار
عدم في الوجود يبدو ويخفى ... ما له في الحقيقتين قرار
وقال رضي الله عنه: