ومتى تأمّلت التأمّل منصفا ... عادت إلى ألف الحروف الياء
والحقّ ليس لنا إليه إشارة ... نحن الإشارة منه والإيماء
وقال رضي الله عنه:
بلاء الأنبياء هو البلاء ... وقد عانت عناه الأولياء [1]
وذلك كان في الدنيا وفيما ... به للناس ذمّ أو ثناء
ومن يكثر عليه الصّبر يعظم ... به عند الإله له الجزاء
وأما الدين فاحذر من بلاء ... يصبك فيه ذاك هو الشّقاء
ومنه الأنبيا عصموا وعنه ... شعار الصالحين الأتقياء
ومن يصبر عليه أصرّ عمدا ... على العصيان وازداد العناء
نصحتك لا تخف في قطع رزق ... أذى الدنيا فلله العطاء
وكن بالانفراد سليم صدر ... لأنّ مصاحبات الناس داء
فإنك إن نطقت بما تراه ... عليهم حثّهم فيك افتراء
وصرت عدوّهم في كلّ حال ... وليس لهم بما قلت ارعواء [2]
وإن تسكت وتكرهه بقلب ... فقلبك ما له فيهم خفاء
وأدنى ما يكون يقال: هذا ... ثقيل كلّ حالته رياء
وهم لا يقبلونك فاجتنبهم ... وأنت بما علمت لك اهتداء
لأنك باللقاء تكون مغرى ... بسبل إنه بئس اللقاء
وإن خالطتهم وسلكت معهم ... يكون لهم بفعلك ذا إرضاء
وتمسي بينهم مرفوع شان ... وتصبح كلّ ما تلقى هناء
ولكن تبتلى في الدين منهم ... بما هم فيه إذ بالسوء جاؤوا
أكابرهم على الإعراض قاموا ... ولو بالكفر ما لهم انثناء
وقد حملوا أصاغرهم عليه ... مداهنة وليس لهم حياء [3]
تنبّه يا مريد الحقّ وافتح ... عيونك ما بنو الدنيا سواء
(1) في هذه الأبيات يشير إلى مقام الصبر. فالصبر: هو حبس النفس على شيء مزعج تتحمله، أو شيء لذيذ تفارقه، وهو ممدوح ومطلوب. (للتوسّع انظر الرسالة القشيرية ص 189183) .
(2) ارعوى عن القبيح والجهل ارعواء: كفّ عنه ورجع.
(3) المداهنة: المصانعة.