وفاتوا مقامات السلوك لأنّها ... على أوجه الأسرار منهم مقانع
وقاموا بوصف الذات في غيب غيبه ... له فيه ختم مثل ما كان طابع
وتمّت معانيهم على كلماته ... وماء الهدى من عينهم هو نابع
وزال الذي كانوا يظنون أنّه ... سواهم له عزّ عن الكلّ شاسع
وقد كان وهما ذاك عند عقولهم ... كمثل رقوم أظهرتها المدارع
وقد بدّلت أرض لهم غير أرضها ... كذاك سموات وزالت طوالع
وقد برزوا للواحد الأحد الذي ... بهم هو فيه عالم ثمّ صانع
وكانوا كما كانوا على الحالة التي ... بها أزلا كانوا كلم يك واضع
كما أنّه باق بما هو فيه من ... قديم وهذا الأمر للوهم قامع
بدايتهم كانت نهايتهم به ... ومهيعهم آلت إليه المهايع [1]
وفي العلم كلّ هكذا مترتب ... حضور له ما قد مضى والمضارع
فمن يعلم العلم القديم يرى الذي ... أقول وترمى عن حمير براذع
وتخفى علوم للعقول حوادث ... عناكبها تبني البيوت خوادع
ولم يك ذا إلا بتعليمه ولا ... يعلم إلّا من لديه يوادع
وما كان فيه فهو يبدو له به ... وما لم يكن فيه فما هو واقع
هيولى شهدنا أنّها نور نوره ... لها صور شتّى به تتدافع
وألوانها ذات الفنون فأزرق ... سماويّ لون ثمّ أبيض ناصع
وأسود غربيب وأخضر ناضر ... وأحمر قان ثمّ أصفر فاقع
ظواهر منه فيه عنه له به ... بواطن أفناها من الذات لامع
وبالحقّ أنزلنا وبالحقّ نازل ... لقد حقّقته العارفون المصاقع
وما الحقّ إلّا واحد فهو عالم ... وعلم ومعلوم ثلاث قوارع
ومن ههنا ألهى التكاثر أمّة ... محقّقها من كوثر هو جارع [2]
وذلك نهر الجنّة العذب ماؤه ... وفي الحوض أنبوبان منه شوارع
هو الحوض منه كلّ من نال شربة ... فلا ظمأ يلقى ولا هو جازع
ويطرد عنه كلّ من تبع الهوى ... وتمزيقه دينا بدنياه راقع
(1) المهيع: الطريق الواسع البيّن (ج) مهايع.
(2) في البيت إشارة إلى سورة (التكاثر) آية (1) {أَلْهََاكُمُ التَّكََاثُرُ} .