فمن ينأى إليها فهو دان ... ومن يفنى عليها فهو باقي
وما بسوى المحبّة كون شيء ... وليس الميل إلّا للتلاقي
وأنوار الجمال بكلّ قلب ... تسمّى بالهوى والاشتياق
ولم يكن النعيم سوى التداني ... ولم يكن العذاب سوى الفراق
وكلّ الكون في الدّنيا حجاب ... وفي الأخرى عن الوجه الملاقي
وأنت الكاس والأسرار خمر ... ومجلسك التّقى والله ساقي
فما لك لا تطير هوى وسكرا ... وقد حييت بالكأس الدهاق
أزل نومي بشدوك يا نديمي ... وأبدل لي خلافك بالوفاق
وحيّ على المنى يا ابن المعاني ... ولا تفتن بألفاظ رقاق
وخذ منّي وناولني إلى أن ... تراني قد وصلت إلى التراقي
ومن بالحقّ يقذف لاح جهرا ... وما التفّت له ساق بساق
هنالك تضمحلّ به رسومي ... وأذهب بانسحاق وانمحاق
ويبطل كلّ شيء كان حتّى ... مقالي ذا وفهمي مع مذاقي
ويبقى مثل ما قد كان ربّي ... على ما كان وهو أجلّ واقي
ويخفى الكون من غير اختفاء ... ويبدو النور من غير انفهاق [1]
ودنّسناه بالأفهام حينا ... وبالأقوال والبحث المساق
إلى أن جاد غيث الفيض منه ... بماء القدس وانفتحت سواقي
إذا قلنا عرفناه جهلنا ... وهل فرع لأوج الأصل راقي
وريح المسك في الصندوق يفشو ... ويعرف منه قدر الانتشاق
وهل نور النجوم يلوح إلّا ... على مقدار إدراك المآقي
هو الحقّ المبين وكلّ شيء ... سواه باطل بالاتفاق
قديم لا بمعنى فهم كون ... وباق لا كقول الخلق باقي
وقال رضي الله عنه:
إن كنت تدري الرزق في بلدة ... أو في مكان فاطلب الرزقا
وإن عملت الحقّ ينساك من ... رزقك يوما ذكّر الحقّا
وإن دخلت البيت تبغي به ... توكّلا كيلا ترى الخلقا
(1) فهق الإناء: امتلأ حتى صار يتصبّب.