عدم يحيط به الوجود وإنّما ... عرف الوجود إذا الوجود تكلّما
وهو الوجود وكلّنا عدم بنا ... هو قد أحاط وقد أشار فأفهما
صور بقرطاس تقصّ فإنّها ... معدومة ولها الوجود توهّما
أعني بذلك أنّها مقصوصة ... في داخل القرطاس قصّا محكما
قرطاسها الموجود لا هي وحده ... وهو المحيط بها وعنها أبهما
وله الظهور بها بوصف إحاطة ... فانظر وليس لنا الظهور لتعلما
وجميع هذا كلّه في لمحة ... يبدو ويخفى منّة وتكرّما
والأمر أمر الله يعني شأنه ... هو كلّ يوم فيه لن يتصرّما
والخلق خلق الله أيضا كلّهم ... عدم إذا حقّقت أرض أو سما
وإذا مشيت مع العقول ووهمها ... كنت المؤخر والمحقّ مقدّما
إذ ما سوى مولاك جاءك باطل ... في النصّ فإني هالك كم ذا العمى
فالمبطلون هم الذين تعلّقوا ... بسوى الإله الحقّ من جهل نما
والعارفون هم الذين قد اهتدوا ... فاتبع طريقهمو وخذها سلّما
واسلك بها في الشرع شرع محمد ... تجد الذي وجدوا وتصبح مسلما
صلّى عليه الله ما ذهب الدّجى ... وأتى الصباح وما الهزار ترنّما
وقال رضي الله عنه:
تجلّت لنا ذات وفعل بدا واسم ... فكانت وما كنّا وليس لنا وسم
هنالك قامت بالوجود قيامة ... بها حشرت أرواحنا واختفى الجسم
مدام بها الأفراح دامت لأهلها ... ومن لم يذقها كلّ أوقاته غمّ
وقام بها الساقي وحيى فساقنا ... إلى مورد منها لذيذ له الطعم
إذا ما تراءت في الكؤوس بدا لها ... شعاع له في كلّ ناحية نجم
هي السرّ للأشياء والجهر دائما ... على عدد الأنفاس والبدء والختم
بها يهتدي الأعمى إليها ويسمع الأصمّ وتأتي ناطقين بها البكم
ويأمن ذو خوف ويفرح ذو أسى ... ويعتزّ ذو ذلّ ويبرا بها السقم
ولو أنّهم صبّوا على البحر قطرة ... لعاد بها عذبا ولو أنّه سمّ
ولو ذكروا حول الحطيم صفاتها ... لزال عن البيت العتيق بها الحطم
ولو لم تكن أسماؤها قد تبيّنت ... لما بان في الأكوان كيف ولا كمّ
ولولا سنا كاساتها من ورا الورى ... لما كان ذوق في الندامى ولا فهم
ولو أنّ ميتا لقّنوه بلفظها ... لقام سريعا نحوها شوقه ينمو
ولولا بدت لم يشعر الأشعري بها ... ولولا تخفّت ما تجهمها جهم
ولولا معاني حسنها ظهرت على ... ملاح الورى ما كان عشق ولا وهم
ولو بيتيم الوالدين قد اعتنت ... لعزّ وعنه زال من ذلّه اليتم
جمال تجلّى في جلال وعكسه ... فقوم لهم مدح وقوم لهم ذمّ
وكلّ قلوب الناس لو لم تهم بها ... لما طاب نثر في الكلام ولا نظم
ولكنّهم هاموا ورقّت طباعهم ... ولم يعلموا في أيّ واد بها همو
لثام من الأشياء يحجب وجهها ... حلا لعيون العاشقين به اللثم
ألا حيّ يا صاح على سكرة بها ... ودع عنك من هم دونها عندهم وهم
وشقّق بها الأثواب عنك وكن بها ... مجرّد عزم لا يقاس به عزم
وبت في ثرى حاناتها متلفّفا ... بأثواب ذلّ في هواها بها تسمو
وكن عاجزا عنها تكن قادرا بها ... فعدلك عنها منك نحو السّوى ظلم
هي البيت بيت الله حجّت قلوبنا ... إليها فلا ذنب علينا ولا جرم
إذا نحن أحرمنا نلبي بذكرها ... وفي علميها عندنا يكثر العلم
وإن زمزم الحادي بها فهي زمزم ... وعن مصّنا من ثديها ما لنا فطم
نعمنا بها في لذة العيش والصّبا ... وما ذاك إلّا أنّها أنعمت نعم
هي الدهر في تقليب أيامه على ... بنيه له حرب بهم وله سلم
إذا ما شربناها خفينا بنورها ... وعند طلوع الشمس ما للدّجى رسم
بها للحواسّ الخمس منّا تمتع ... فسمع ولمس ذوقنا بصر شمّ
وللعقل أيضا لذة في جمالها ... وسرّ بدا منها له وجب الكتم
وقد سكرت حاناتها وكؤوسها ... بها في تجلّيها وقد سكر الكرم
ولو أنّ إنسانا صحا لرأى هنا ... من السّكر قد هامت بها العرب والعجم
ومن سكرهم منها يقولون غيرها ... وهذا أب قالوا كما هذه أمّ
وقالوا عيون في وجوه وأرجل ... وأيد وقالوا أرؤس ودم لحم
معان تبدّت في صفاء وجودها ... فقوم لهم أجر وقوم لهم إثم
وتلك نعوت قائمات بها لها ... على الفرض والتقدير لا أنّه حتم
إشاراتها اللاتي بوصف مشيئة ... تسمّى بأشيا وهي هالكة عقم
وما ثمّ توليد وليس مناسبا ... لها ذاك بل وصف إليها له ضمّ
تحقّق بما قلناه فيها مجانبا ... سواه فما قلناه فيها هو الغنم
وإياك والتوليد في جعلها السّوى ... فذلك قذف منك في حقّها شتم
وإن جهل الأقوام ذلك واختفى ... عليهم فللتوحيد توليدهم هدم
نصحتك فامسح عن بصيرتك العمى ... بقولي وإلّا فالنصوص لك الخصم
وهذا هو الحقّ الذي هو ظاهر ... وبالغيب فيها ما عداه هو الرجم
خذ الكأس منّي يا ابن ودّي فإنّه ... رويّ بهذا فليكن عندك الخزم
ومل طربا في النشأتين بشربه ... فإنّ شرابي للضلال به هضم
شراب طهور في كؤوس نظيفة ... كريم به الساقي ومنه العطا الجمّ
على رنّة الأسماء دام مدامنا ... وإن نمّق الزور الوشاة وإن نموا
وفي مقعد الصدق العزيز مناله ... تجلّت لنا ذات وفعل بدا واسم
وقال رضي الله عنه: