وقد ترك القتلة في بعض الأقطار إهمالًا لحكم الله وإعلاءً لحكم الطاغوت، فماذا كسبت هذه الأقطار من ترك القصاص؟ كسبت انتشار الجريمة، وسيادة الفوضى، وذعر الألوف إن كانوا في الطرق أن يصابوا، أو في بيوتهم أن تقتحم عليهم!!
فهل هذا هو المطلوب من العطف على المجرمين ووصفهم بأنهم مرضى بانحرافات نفسية ..
إن الله عز وجل جعل العدوان على إنسان واحد استهانة بحق الحياة للناس كلها (أنه من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جمعًا) .
والإحياء المقصود قد يكون بإنقاذ غريق، أو حماية مهدر مطارد مظلوم، وقد يكون بتوطيد حق الحياة للجماعة كلها عندما يقتص من مجرم سفاح، فإن قتله حياة لغير واحد كان يمكن أن يصرعوا لو بقي السفاح حرًا.
والقصاص تشريع قديم في النفس وفي الحواس والأطراف (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص، فمن تصدق به فهو كفارة له) .
والصدقة هنا تنازل المرء عن حقه المقرر شرعًا، ويجوز أن يتنازل أولياء الدم عن القصاص نظير مال يتفق عليه، أو قربى إلى الله بالعفو.
وفي الحديث (وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا) ، وهناك يترك القاتل فلا يقتل، ولكن من حق الدولة أن تعاقب الذين يعكرون صفو الأمن بما ترى من عقوبات.
وربما تساءل بعضهم: لماذ يسقط القصاص بعفو ولي الدم؟
والجواب: إن الملابسات التي تحيط بالجرائم كثيرة، وهناك ناس لا يحرجهم المصاب المادي قدر ما يؤذيهم الهوان الأدبي، فإذا ضربه قوي طاغ لم يحزن لألم بدنه كثيرًا إنما كان حزنه الأهم الأعم لقدرة غيره عليه، وللضعف الذي جرَّأ الآخرين على إساءته.