الصفحة 89 من 96

إن التصرف المتطرف الخاطئ للحرية، الذي غذاه الحقد الأسود والثورة الجامحة على النظام الاجتماعي الفاسد الذي كان يحكم المجتمع الأوربي، نبع منه مفهوم الحرية الشخصية، عند المنادين بالحرية والتحرر في بلاد الإسلام، فيتصورونها - كما هي عند الغربيين - بأنها الانطلاق بلا قيد، والتحرر من كل ضابط، والتخلص من كل رقابة، حتى ولو كانت تلك الرقابة نابعة من ذاته هو، من ضميره، فلتحطم وليحطم معها الضمير إن احتاج الأمر، حتى لا يقف شيء في وجه استمتاعه بالحياة، وحتى لا تفسد عليه نشوة اللذة، ومعنى هذا ترك الإنسان وشأنه يفعل ما يشاء ويترك ما يشاء، وهكذا بدون قيود ولا ضوابط، ولا رقابة، وعلى المجتمع أن يسّلم بذلك الحق، وعلى الحكومة أن تحافظ على تلك الحرية وتحميها.

هذا هو مفهوم الحرية عندهم، صورة طبق الأصل من مفهوم الحرية في الغرب، فلا دين يحكم النفوس، ويكبح جماحها، ولا أخلاق تهذب طباعها، وتوقظ مشاعرها، وتثير فيها روح النخوة والغيرة والإباء، ولا مثل، ولا فضائل، تقاس على أساسها الأعمال خيرها وشرها، ولا حياء يمنع ارتكاب الشطط، والمجاهرة بالمنكر لا ينبغي أن يكون شيء من ذلك، لأنه من الماضي، وكل ما هو من الماضي فهو عقبة في طريق التصور والتقدم فلينبذ وليحطم.

وهكذا قال دعاة الحرية في الغرب، وهكذا يقول دعاتها في الشرق، وهم إن لم يستطيعوا التصريح بذلك، إلا أن مفهوم كلمة الحرية كما يتصورونه ينبئ عن ذلك، كما أن رائحته تفوح مما يطلقونه من شعارات باسم الحرية، بل إن التطبيق الجاري الآن في البلاد الإسلامية لمفهوم الحرية سيوصل حتمًا إلى ذلك إذا استمر سائرًا في ذلك الطريق.

ولما كانت المرأة عاملًا أساسيًا وعنصرًا هامًا في تحقيق مفهوم الحرية هذا، فقد وجهوا جل اهتمامهم إليها، وعملوا على تكييفها للدور الذي يريدون أن تقوم به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت