لا بد أن تعود الغَيْرة على اللغة وأن يتمسك بها أهلوها ومُحِبّوها، وأن يرصدوا أعداءها، فهي تُحَارَبُ من الداخل والخارج، ولكن هيهات هيهات ما يحلمون به، فهذه اللغة هي الخالدة بخلود القرآن الكريم الذي تكفَّل بحِفْظه ربُّ العالمين في قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) } [الحجر: 9] (1) فَحَفِظَها على مَرِّ العصور، وجعلَ كيدَ الكائدينَ لها في نُحُورِهم، فلما نادى أحدُ القُضاةِ الإنجليز في مصر بمحاولة تقعيد اللهجة المصرية لتصير هي لغةَ الكتابة فَشِلَت محاولته في مهدها، وانبرى المدافعون يدافعون عنها، والآن قيَّض الله تعالى لها المجامع والهيئات والجمعيات التي تعمل على صيانتها وحمايتها من السهام التي تتناوب عليها من بُعْدٍ ومن قُرْبٍ، فها هو اتحاد المجامع اللغوية العربية يهتم بإصدار معجم تاريخي لهذه اللغة، ويجعل مجمعنا هذا الموضوع العنوان الرئيسي لمؤتمر الدورة الثانية والسبعين، وتعقد جمعية لسان العرب وغيرها الندوات، ويستمر العمل الدؤوب ويتكاتف جميع الغيورين على اللغة، -وما أكثرَهم! - ليحصِّنوا اللغة العربية من الرياح التي تثيرها تيارات العَولمة والعَلْمَنَة والتغريب. وها هو أستاذنا الجليل الدكتور أمين علي السيد - شفاه الله وعافاه- يُكرِّس وقته الثمين وجهده العظيم ليعكف على تتبُّع الكلمات الفُصحى في لغة العامة حتى أدرك معظمها وقدَّمها فَعُرِضت على مؤتمرات المجمع بعنوان: (العامّيُّ الفصيح في المعجم الوسيط) ، وكان دائمًا يحلم بأن تُجمَع في مُعجم يكون دَفعةً قويةً للعامة
(1) سورة الحجر الآية 9.