سبق أن استوفينا الكلام في طرق هذا الحديث عند الكلام عن أحاديث الجمهور، وذكرنا كلام الحفاظ في أسانيده، حتى لم يعدّ للمخالف وجه للاستدلال به؛ لأنه دليل للجمهور لا له، وهنا نضيف بعض النكات التي لم يتسنّ ذكرها هناك؛ إذ أن الأكابر ذكروا وجوهًا عديدة في رد هذا الحديث نقتصر على بعضها:
الأول: أنه ورد بلفظين: طلقها البتة، وطلقها ثلاثًا، وكل لفظ منهما ورد بطريقين، والطريقان اللتان ورد بهما لفظ: البتة، أثبت وأصح عند المحدثين، كما صرح به الحفاظ وأهل الشأن كأبي داود والشافعي وابن حبان والحاكم والبيهقي وابن الجوزي والنووي وابن الهمام والزيلعي والجصاص وابن عبد البر والكوثري والكيرانوي والشنقيطي وغيرهم، في حين لم يثبت عن أحد يعتد بقوله تقديم رواية طلقها ثلاثًا.
وعجيب ما ذكر المخالف عن أحمد في احتجاجه بسند حديث سنده مثل سند حديث طلقها ثلاثًا؛ لأن الإمام أحمد - رضي الله عنه - صرح بردّ حديث ركانة - رضي الله عنه - إذ قال: إن حديث ركانة - رضي الله عنه - ليس بشيء كما نقله ابن الجوزي وغيره، وهذا يدفع ما أطال المخالف به الاستدلال.
وعلى كل فحديث ركانة رغم أن لبعض الحفاظ كلام فيه ككل كأحمد والبخاري إلا أن لفظ: البتة صرح العديد من المحدثين بقبوله وتقديمه وهو حجة الجمهور زيادة إلى حججهم، بخلاف لفظ: طلقها ثلاثًا الذي احتج به المخالف، إذ ردّه كبار المحدثين، وتفصيل الكلام سبق ذكره في المبحث الثاني من الفصل الأول عند ذكر حديث ركانة - رضي الله عنه -.
ومن دقق النظر في هذا الوجه فحسب وجده كافيًا في دفع احتجاج المخالف فيه، إلا أنني سأذكر وجوهًا إيفاء للمسألة حقها، وزيادة في دفع شبه الخصم.