الثاني: معارضته بفتوى ابن عباس - رضي الله عنه - بوقوع الثلاث كما تقدم، إذ لا يظن بابن عباس - رضي الله عنه - أنه كان عنده هذا الحكم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يفتي بخلافه إلا بمرجح ظهر له، وراوي الخبر أخبر من غيره بما روى (1) .
الثالث: قال ابن حجر (2) : إن أبا داود رجح أن ركانة إنما طلق امرأته البتة، كما أخرجه هو من طريق آل بيت ركانة، وهو تعليل قوي لجواز أن يكون بعض رواته حمل البتة على الثلاث، فقال: طلقها ثلاثًا، فبهذه النكتة يقف الاستدلال بحديث ابن عباس - رضي الله عنه -.
الرابع: أنه مذهب شاذ فلا يعمل به (3) ، وسبق تفصيل الكلام في الشذوذ في المبحث السابق.
الخامس: أنه من جهة المعنى ليست بحجة للمخالف على مراده؛ إذ استدل بلفظ: طلقها ثلاثًا في مجلس واجد، فقد قال محمد الأمين الشنقيطي (4) : (( لا دليل فيه البتة على محل النزاع على فرض صحته، لا بدلالة المطابقة ولا بدلالة التضمن، ولا بدلالة الالتزام؛ لأن لفظ المتن: الطلقات الثلاث واقعة في مجلس واحد، ولا شك أن كونها في مجلس واحد لا يلزم منه كونها بلفظ واحد، فادعاء أنها لما كانت في مجلس واحد لا بد أن تكون بلفظ واحد في غاية البطلان كما ترى؛ إذ لم يدل كونها في مجلس واحد على كونها بلفظ واحد بنقل ولا عقل ولا لغة كما لا يخفى على أحد.
بل الحديث أظهر في كونها ليست بلفظ واحد؛ إذ لو كانت بلفظ واحد لقال بلفظ واحد وترك ذكر المجلس؛ إذ لا داعي لترك الأخص والتعبير بالأعم بلا موجب كما ترى.
وبالجملة فهذا الدليل يقدح فيه بالقادح المعروف عند أهل الأصول: بالقول الموجب، فيقال: سلمنا أنها في مجلس واحد، ولكن من أين لك أنها بلفظ واحد فافهم )) (5) .
(1) ينظر: فتح الباري 9: 363، وشرح الزرقاني 3: 167.
(2) في فتح الباري 9: 363.
(3) ينظر: فتح الباري 9:363.
(4) في أضواء البيان 1: 238-239.
(5) ينظر: أضواء البيان 1: 244-245.