أولًا: ادّعى أنه لما كان الله - عز وجل - أمر عباده أن يطلّقوا لوقت على صفة، فطلقوا على غير ما أمرهم به لم يقع طلاقهم، وقالوا: ألا ترون أن رجلًا لو أمر رجلًا أن يطلق امرأته في وقت على صفة فطلّقها في غيره أو أمره أن يطلّقها على شريطة فطلّقها على غير تلك الشريطة أن ذلك لا يقع إذ كان قد خالف ما أمر به، قالوا: فكذلك الطلاق الذي أمر به العباد، فإذا أوقعوه كما أمروا به وقع، وإذا أوقعوه على خلاف ذلك لم يقع (1) .
ويمكن ردّه بما قال الطحاوي (2) : أنه ليس ذلك كالوكالات؛ لأن الوكلاء إنما يفعلون ذلك للموكّلين، فيحلون في أفعالهم تلك محلهم، فإن فعلوا ذلك كما أمروا لزم وإن فعلوا ذلك على غير ما أمروا به لم يلزم، والعباد في طلاقهم إنما يفعلونه لأنفسهم لا لغيرهم ولا لربهم - عز وجل -، ولا يحلون في فعلهم ذلك محل غيرهم، فيراد منهم إصابة ما أمرهم به الذي يحلون في فعلهم ذلك محله، فلما كان ذلك كذلك لزمهم ما فعلوا، وإن كان ذلك مما قد نهوا عنه؛ لأنا قد رأينا أشياء مما قد نهى الله تعالى العباد عن فعلها أوجب عليهم إذا فعلوها أحكامًا، من ذلك أنه نهاهم عن الظهار ووصفه بأنه منكر من القول وزور ولم يمنع ما كان كذلك أن تحرم به المرأة على زوجها حتى يفعل ما أمره الله تعالى به من الكفارة رأينا الظهار قولًا منكرًا وزورًا، وقد لزمت به حرمة.
كان كذلك الطلاق المنهي عنه هو منكر من القول وزرًا والحرمة به واجبة، وقد رأينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما سأله عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن طلاق عبد الله امرأته وهي حائض أمره بمراجعتها وتواترت عنه بذلك الآثار، ولا يجوز أن يؤمر بالمراجعة من لم يقع طلاقه فلما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد ألزمه الطلاق في الحيض، وهو وقت لا يحل إيقاع الطلاق فيه.
(1) ينظر: شرح معاني الآثار 3: 55.
(2) في شرح معاني الآثار 3: 55.