ادعى الطوفي (1) من المتأخرين والمعاصرين الذين يرون المصلحة دليلًا شرعيًا مستقلًا يناكب النص في القوة بل وقد يرجح عليه حيث اتخذوا من بعض اجتهادات عمر - رضي الله عنه - أقوى برهان لهم على ذلك.
وهذه المسائل التي استندوا إليها، هي: إلغاؤه لسهم المؤلفة قلوبهم من الزكاة، وعدم قطعه يد السارق في عام المجاعة، وقضاؤه بقتل الجماعة بالواحد، وإلزامه المطلق ثلاثًا بلفظ واحد بما التزم به، وهو ثلاث طلقات، وقد عرضها الدكتور البوطي (2) وناقشهم فيها وبيّن وهمهم في ذلك، وإنما هي دليل على شدة تمسكه بالكتاب والسنة، ولكن المراعاة الدقيقة للنص قد تبدو لمن لا دقة لديه في فهمه أنها مخالفة لها.
ويكفيك من البرهان على صحة ما ذكره الدكتور البوطي أن أحد المسائل التي احتجوا بها هي مسألتنا هذه، وقد بان لك بالبرهان القطعي من القرآن والسنة والإجماع أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لم يخالف فيه، وإنما طبق فيها حكم القرآن والسنة والإجماع لا كما يدعي المخالف، ويسيء الكلام عن عمر - رضي الله عنه -.
وزبدة الكلام في المصلحة أن الذي ينطلق لسانه بأن المصلحة تعارض حجج الله من الكتاب والسنة والإجماع كمن يقول: بأن الله لا يعلم مصالح عباده، فكأن هذا القائل يرى أنه أدرى بمصالح العباد من الحكيم الخبير - عز وجل - حتى يتصور معارضة مصالحهم للأحكام التي دلت عليها أوامر الله تعالى المبلغة على لسان رسوله ـ سبحانه هذا إلحاد أقرع ـ (3) .
(1) من أقواله: إن رعاية المصلحة أقوى من الإجماع، ويلزم من ذلك أنها أقوى أدلة الشرع؛ لأن الأقوى من الأقوى أقوى. قال الكوثري في المقالات ص344: وهذه كلمة لم ينطق بها أحد من المسلمين قبله، ولم يتابعه بعده إلا من هو أسقط منه. ومن أراد الاطلاع على حاله فليراجع مقالات الكوثري ص344-347، وضوابط المصلحة ص202-215.
(2) ينظر: ضوابط المصلحة ص140-160.
(3) ينظر: مقالات الكوثري ص315.