قال الكوثري (1) : ومن جملة أساليبهم الزائفة في تغيير الشرع بمقتضى أهوائهم قول بعضهم: إن مبنى التشريع في المعاملات ونحوها المصلحة فإذا خالف النص المصلحة يترك النص ويؤخذ بالمصلحة. فيا للعار والشنار على ما ينطلق لسانه بمثل هذه الكلمة ويجعله أصلًا يبني عليه شرعه الجديد، فسله وقل له ماذا تريد بالمصلحة التي تبغي بناء شرعك عليها؟ فإن كنت تريد المصلحة الشرعية فليس لمعرفتها طريق غير الوحي حتى عند المعتزلة الذين يقال عنهم أنهم يحكمون العقل.
إذا اتضح معنى المصلحة وخصائصها وضوابطها والمعتبر منها في الشرع والقائلين بالمصلحة غير الشرعية والرد عليهم يرتفع ما يكون في الذهن عالقًا من الاحتجاج في مورد النص في مسألة كمسألتنا هذه بالمصلحة، ويتبين زيف ما يدعي من المصلحة في ذلك فهذا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أحرص الناس على المسلمين واستقامة حياتهم يوقع الطلاق الثلاث ثلاثًا بالاتفاق، فلو كانت هناك مصلحة في إيقاع الثلاث واحدًا، فهل يعقل أن يتركه ويسعى إلى خراب بيوت المؤمنين كما يدّعي من يقول أن الطلاق الثلاث فيه ذلك.
وكيف تكون المصلح في ذلك وقد عاشت الأمور قرونًا عديدة على تطبيق ذلك الحكم، وكانت في عزة وتماسك أسري واجتماعي وديني بما لا يشك أحد أنه أعلى بكثير مما هي عليه الآن، فلم يكن هذا الحكم سبب لتفككها الأسري وغيره، ولم يدع مدع أن المصلحة في ذلك حتى المخالف.
(1) في المقالات ص342.