فكما تواتر النقل عن الصحابة في مسألة وقوع الطلاق ثلاثًا كذلك كان الأمر في التابعين؛ لأنهم أشد الناس اقتداء بهم وتمسكًا بما ورد عنهم، وهم من القرون الثلاث التي مدحها الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وكثر هذا النقل بين الصحابة والتابعين لهذا الأمر يؤكد لنا أن هذه المسألة لم يكن فيها خلاف معروف ومشهور بل الكل متفق عليها وإن خالف فيها أحدهم فيكون ليس من أهل الخلاف الذين يعتد بهم.
وعلى ذلك كان قول الحافظ ابن رجب الحنبلي: لا نعلم من الأمة أحدًا خالف في هذه المسألة مخالفة ظاهرة، ولا حكمًا ولا قضاء ولا علمًا ولا إفتاء ولم يقع ذلك إلا من نفر يسير جدًا، وقد أنكره عليهم من عاصرهم غاية الإنكار وكان أكثرهم يستخفي بذلك ولا يظهره، فكيف يكون أجمع الأمة على إخفاء دين الله الذي شرعه على لسان رسوله، واتباع اجتهاد من خالفه برأيه في ذلك هذا لا يحل اعتقاده البتة (1) .
ومن هؤلاء التابعين وغيرهم:
أولًا: سعيد بن المسيب - رضي الله عنه:
روى عبد الرزاق (2) : عن معمر عن قتادة عن ابن المسيب قال: إذا طلق الرجل البكر ثلاثًا فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره (3) .
ثانيًا: سعيد بن جبير - رضي الله عنه:
روى عبد الرزاق (4) : عن هشيم عن جعفر بن أبي وحشية عن سعيد بن جبير قال: لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره ـ أي من تطلق ثلاثًا قبل الدخول ـ (5) .
ثالثًا: حميد بن عبد الرحمن - رضي الله عنه:
(1) ينظر: الإشفاق ص 50-51.
(2) في مصنفه 6: 332.
(3) رجاله ثقات وقتادة هو ابن دعامة السدوسي ثقة ثبت كما في التقريب 389.
(4) في مصنفه 6: 334.
(5) رجاله ثقات وجعفر ثقة من أثبت الناس في سعيد بن المسيب كما في التقريب 79، وهشيم هو ابن بشير السلمي ثقة ثبت كما في التقريب 504.