وكما كان إجماعهم على النقل بريئًا من الوهم والزلل كان كذلك إجماعهم على الرأي بريئًا من الوهم والزلل، وقد رأينا أشيائ قد كانت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على معاني فجعلها أصحابه - رضي الله عنهم - من بعده على خلاف تلك المعاني لما رأوه فيه مما قد خفي على من بعدهم فكان ذلك حجة ناسخًا لما تقدّمه من ذلك تدوين الدواوين والمنع من بيع أمهات الأولاد وقد كن يبعن قبل ذلك والتوقيت في حد الخمر ولم يكن فيه توقيت قبل ذلك، فلما كان ما عملوا به من ذلك ووقفنا عليه لا يجوز لنا خلافه إلى ما قد رأيناه مما قد تقدم فعلهم له.
كان كذلك ما وقفونا عليه من الطلاق الثلاث الموقع معًا أنه يلزم، لا يجوز لنا خلافه إلى غيره مما قد روي أنه كان قبله على خلاف ذلك ثم هذا ابن عباس - رضي الله عنه - قد كان من بعد ذلك يفتي من طلق امرأته ثلاثًا معًا أن طلاقه قد لزمه وحرّمها عليه. ثم استطرد في ذكر الروايات عن ابن عباس - رضي الله عنه -.
وقال ابن الهمام (1) : (( وأما إمضاء عمر الثلاث عليهم فلا يمكن مع عدم مخالفة الصحابة له مع علمه بأنها كانت واحدة إلا وقد اطلعوا في الزمان المتأخر على وجود ناسخ. هذا إن كان على ظاهره أو لعلمهم بانتهاء الحكم كذلك تتابعوا على هذا بإناطته بمعان علموا انتفاءها في الزمن المتأخر، فإنا نرى الصحابة تتابعوا على هذا الأمر، ولا يمكن وجود ذلك منهم مع اشتهار كون حكم الشرع المتقرر كذلك أبدًا ) ).
وقال ابن حجر الهيتمي: (( والأحسن عندي أن يجاب بأن عمر لما استشار الناس علم فيه ناسخًا لما وقع قبل فعمل بقضيته، وذلك الناسخ إما خبر بلغه أو إجماع، وهو لا يكون إلا عن نصّ، ومن ثم أطبق علماء الأمة عليه ) ).
(1) في فتح القدير 3: 470.