والإمام أبو داود ممن جزم بنسخ الثلاث واحدة، ورأى أن جعلها واحدة إنما هو في الزمن الذي كان يرتجع فيه بعد ثلاث تطليقات وأكثر، قال في سننه (1) : باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث (2) .
وقال محمد الأمين الشنقيطي (3) : (( وهذا الوجه لا إشكال فيه؛ لجواز تغير الحال عند تغير القصد؛ لأن الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، وظاهر اللفظ يدل لهذا ) ).
الثالث: أن يكون المراد به البتة:
قال البيهقي (4) : (( قال الشيخ: ويحتمل أن يكون عبر بالطلاق الثلاث عن الطلاق البتة، فقد ذهب إليه بعضهم ) ).
وقال ابن حجر (5) : (( كما في حديث ركانة سواء، وهو من رواية ابن عباس - رضي الله عنه - أيضًا وهو قوي.
ويؤيده إدخال البخاري في هذا الباب الآثار التي فيها البتة، والأحاديث التي فيها التصريح بالثلاث، كأنه يشير إلى عدم الفرق بينهما، وأن البتة إذا أطلقت حمل على الثلاث إلا إن أراد المطلق واحدة فيقبل، فكأن بعض رواته حمل لفظ: البتة؛ على الثلاث؛ لاشتهار التمويه بينهما فرواها بلفظ الثلاث، وإنما المراد لفظ: البتة؛ وكانوا في العصر الأول يقبلون ممن قال: أردت بالبتة الواحدة، فلما كان عهد عمر - رضي الله عنه - أمضى الثلاث في ظاهر الحكم )) .
الرابع: أن المراد بالثلاث الواحدة:
وهو أن معنى قوله: كان الثلاث واحدة؛ أن الناس في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا يطلّقون واحدة، فلما كان زمن عمر - رضي الله عنه - كانوا يطلقون ثلاثًا.
ومحصّله: أن الطلاق الموقع في عهد عمر ثلاثًا كان يوقع قبل ذلك واحدة؛ لأنهم كانوا لا يستعملون الثلاث أصلًا، أو كانوا يستعملونها نادرًا، وأما في عصر عمر - رضي الله عنه - فكثر استعمالهم لها.
ومعنى قوله: فأمضاه عليهم وأجازه وغير ذلك؛ أنه صنع فيه من الحكم بإيقاع الطلاق ما كان يصنع قبله.
(2) ينظر: أضواء البيان 1: 249.
(3) ينظر: أضواء البيان 1: 244.
(4) في سننه الكبير 7: 338.
(5) في فتح الباري 9: 364.