إن الإنسان كلما كان ضعيفًا كان أحوج إلى الرحمة أكثر، وإن الطفل من المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا، فما أحوجه إلى الرحمة وما أحوجه إلى الرعاية الشاملة وإلى القلب الرحيم وإلى اليد الحانية والحكمة الطيبة الهادئة، وإلى من يتفهم نفسيته ويقدر اهتماماته الصغيرة في لعبه ولهوه، فلها عنده شأن كبير، وإلى من يؤانسه ويضاحكه ويشاركه في لعبه ويتصابى معه، ولا يصادم فطرته ولا يعاكس جبلته، ولكن يوجهها ويهذبها، يعطيه قيمته، ويشعره بأهميته، يعفو عن أخطائه، ويتغافل عن زلاته العفوية التي تحصل لمن كان في سنه من واقع طفولته وبراءته، وإن كان لا بد من عقاب على خطأ لا يمكن التسامح عنه ولا التغافل عنه، فعقاب الرحيم الرفيق بضوابطه الشرعية، قسوة في رحمة ولين في حزم، بذا يتخرج هذا الطفل بتوفيق الله رجلا سويًّا خاليًا من الأمراض العصبية والعقد النفسية، محبًّا لأسرته ومجتمعه ومعلمه ومربيه، بعيدًا عن الغل والحسد والعنف والعدوانية وحب الانتقام.
وهكذا خرج الرجال الذين تربوا في حجر النبي - صلى الله عليه وسلم - أمثال الحسن والحسين وأنس بن مالك وعمر بن أبي سلمة وابن عباس وأسامة بن زيد وغيرهم رضي الله عنهم وأرضاهم.
فإلى سيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - نستلهم منها معين التربية الصافي في السلوك والآداب والأخلاق، لتكون خير أمة أخرجت للناس: ...