دهورًا، ثم خلقه العزيز الحكيم من تراب، ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ثم جعله عظامًا، ثم كسا العظام لحمًا.
فمن كان هذا أوله، وهذا أحواله، فمن أين له البطر والأشر والكبرياء والخيلاء؟ وهو الضعيف الحقير بالنسبة إلى قدرة الباري جل وعلا وأما آخره فهو الموت، ومعناه أنه يسلب روحه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته وحسه وإدراكه وحركته، فيعود كما كان جمادًا لا يبقى إلا شكل أعضائه وصورته فيه ولا حركة. ثم يوضع في هذا التراب فيصير جيفة منتنًا، كما كان في الأول نطفة مذرة، تبلى أعضاؤه وتتفتت أجزاؤه، وتنخر عظامه، ويصير رميمًا رفاتًا ويأكل الدود أجزاءه. ويكون جيفة يهرب منه كل حيوان ويستقذره كل إنسان، وليته بقي كذلك، لا بل يحييه الله تعالى بعد طول البلى، ليقاسي شديد البلاء، فيخرج من قبره إلى أهوال القيامة، فينظر إلى قيامه قائمة، وسماء مشققة منفرجة، وأرض مبدلة، وجبال مسيرة، ونجوم منكدرة، وشمس منكسفة، وأحوال مظلمة، وملائكة غلاظ شداد، وجهنم تزفر، وجنة ينظر إليها المجرم فيتحسر، ويرى صحائف منشورة فيقال: «اقرأ كتابك» فيه جميع عمله من أوله إلى آخره {يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} [القيامة: 13] .
فما لمن هذا حاله والتكبر والتعظم؟ بل ماله وللفرح فضلًا عن البطر؟! فقد ظهر له أول حاله ووسطه، ولو ظهر آخره - والعياذ بالله تعالى - ربما اختار أن يصير مع البهائم ترابًا، ولا يكون إنسانًا يسمع خطابًا أو يلقى عذابًا، فمن هذا حاله في العاقبة - إلا أن يعفو الله عنه وهو على شك من العفو - فكيف يفرح ويبطر، وكيف