تجمعت في يديه ثروة هائلة .. وفي الوقت الذي كان يبخل فيه على أسرته بملبس أو طعام من باب الاقتصاد كان يبعثر الأموال الطائلة على زملاء العمل وأصحاب رؤوس الأموال وذلك للمصالح المتبادلة كما يزعم، وكان لا يتم ذلك إلا في الفنادق أو المطاعم الفاخرة لأن منزلنا المتواضع ليس أهلًا لمثل هذه الشخصيات البارزة .. لقد تغير أبي تمامًا، أصبحت الدنيا والمؤسسات والشركات والعقارات أكبر همه .. أصبح التفاخر والتعالي سمته .. أصبحت المظاهر البراقة الزائفة جل اهتمامه .. غفل أن هذه الحياة زائلة وأن متاعها فانٍ .. كم ذكرته بذلك .. كم خوفته من الموت .. ولكنه كان يعرض ولا يتعظ، تزوج بأخرى وبالطبع كانت قريبة لإحدى الأثرياء .. أسكنها في قصر فخم وأثاث وثير ولديها الخدم والحشم .. بينما نحن لا نجد أحيانًا لقمة العيش فقد تركنا ورحل .. ونسي أو تناسى أنه خلّف وراءه زوجة مريضة .. وأبناء يتضورون جوعًا .. لقد ترك أمي التي صبرت عليه وتحملته وعاشت معه على القناعة والرضا والكفاف .. تركها وهي تقاسي الآلام والأمراض قائلًا لها: سأتركك مع الفقر الذي تحبين .. تقطّع قلب أمي أسى وحزنًا على هذا الإنسان الذي أعطته كل شيء .. وبذلت من أجله الكثير .. لم يطلقها ولكنه هجرها وترك أبناءها وعاش مع تلك الأخرى .. لم يكلف نفسه أن ينفق على أهل بيته أو أبنائه، بل أصبحنا نستقبل الصدقات والإعانات من الناس .. والناس يتهامسون هذه عائلة فلان الثري ويشيرون إلينا: انظروا كيف حالهم!!
استمر هذا الحال إلى أن تخرجت من المرحلة الثانوية .. وذات يوم إذ بطارق على بابنا وكانت المفاجأة عندما تصارخ إخوتي الصغار