وقد تراوده بهجة الدنيا وزُخْرفها،فينظر إلى أعلى مِمّا هو فيه،ويطلب المزيد،ولا نهايةَ لطموحات الإنسان في هذه المسألة،كما قال الشاعر:تَمُوتُ مع المرْءِ حَاجَاتُه وتَبْقَى لَهُ حَاجَةٌ مَا بَقِي
والناس تحرص دائمًا على أن تستوعب نِعَم الحياة وراحتها،وهم في ذلك مُخْطِئون؛ لأن تمام الشيء بداية زواله،كما قال الشاعر:
إذَا تَمَّ شَيءٌ بَدَا نَقْصُه تَرقَّبْ زَوَالًا إذَا قيلَ تَم
لأن الإنسان ابنُ أغيار،ولا يدوم له حال من صحة أو مرض،أو غِنى أو فقر،أو حزن أو سرور،فالتغيُّر سِمَة البشر،وسبحان مَنْ لا يتغير،إذن:فماذا بعد أنْ تصل إلى القمةَ،وأنت ابنُ أغيار؟
ونرى الناس يغضبون ويتذمرون إنْ فاتهم شيء من راحة الدنيا ونعيمها،أو انتقصتهم الحياة شيئًا؟ وهم لا يدرون أن هذا النقص هو الذي يحفظ عليك النعمة،ويدفع عنك عيون الحاسدين فيُسلِّم لك ما عندك.
فتجد مثلًا أسرة طيبة حازتْ اهتمام الناس واحترامهم،غير أن بها شخصًا شريرًا سِّيئًا،يعيب الأسرة،فهذا الشخص هو الذي يدفع عنها عُيون الناسِ وحَسَدهم.
وقد أخذ المتنبي هذا المعنى،وعبَّر عنه في مدحه لسيف الدولة،فقال:
شَخَصَ الأنَامُ إِلَى كَمَالِكَ فَاستْعِذ مِنْ شَرِّ أعيُنهم بِعَيْبٍ وَاحِدٍ