وقال ابن مفلح في الفروع (4/ 126) ولو احتاج إلى نقد فاشترى ما ساوى مائة بمائتين فلا بأس، نص عليه، هي التورق، وعنه: يكره. وحرمه شيخنا، نقل أبو داود إن كان لا يريد بيع المتاع الذي يشتريه منك هو أهون؛ فإن كان يريد بيعه فهو العينة وإن باعه منه لم يجز، وهي العينة نص عليه.
وفيه أدلة أخرى للذين يجيزون التورق، والذين يحرمون ذلك.
والصواب من قولي العلماء جواز التورق، وهذا مذهب الجمهور، فإن الأصل في البيوع والمعاملات الحل، ولم يأت دليل يقضي بأن التورق ربا، أو فيه شبهة ربا، فقد بيعت السلعة على غير المشترى منه، فانتفت شبهة الربا الموجودة في بيع العينة، والعجيب في المسألة أن بعض الفقهاء يجيز العينة إذا لم يكن فيه تواطأ بين البائع والمشتري ويمنع التورق، وهذا تناقض، وتفريق بين المتماثلين، والله أعلم.
هذا ونحث المسلمين، ممن آتاهم الله بسطة في المال، وثروة في الاقتصاد، مواساة ومساعدة إخوانهم المعسرين، والقيام معهم في معيشتهم، والنظر في شؤنهم، فالمسلمون بعضهم لبعض كالعضو الواحد، وقد جاء الإسلام بالتكافل الاجتماعي، وجاء الركن الثالث من أركان الإسلام، الزكاة، ومما رغب فيه الصدقة، ومما حث عليه إنظار المعسر والتعاون مع المعوزين، والتوسيع على المعسرين مما يعزز عمق الأخوة الصادقة، وينشر المودة الخالصة، ويبث روح الرحمة بين أفراد المجتمع، يحسن فيها القوي على الضعيف والغني على الفقير.
إن الإسلام ضرب القدح المعلى، وصور المثل العليا في التكافل الاجتماعي والتضامن الإسلامي، فجاء في الإنفاق على المحتاجين، والبذل للمعوزين، والعطف على الفقراء والمدينين، ورتب على ذلك تجاوز الله تعالى عن الذنوب والآثام، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (تلقت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم، قالوا: أعملت من الخير شيئًا؟ قال: كنت آمر فتياني أن ينظروا ويتجاوزوا عن المعسر، قال: قال: فتجاوزوا عنه) متفق عليه من طريق زهير، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة - رضي الله عنه -.
وإنظار المعسر، من أسباب تنفيس كرب يوم القيامة، كما جاء في صحيح مسلم (1563) من طريق أيوب، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، أن أبا قتادة طلب غريمًا له فتوارى عنه، ثم وجده، فقال: إني معسر، فقال: آلله؟، قال: آلله قال: فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول (من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر، أو يضع عنه) .