الصفحة 20 من 64

فعن أم سلمة قالت: (لما انقضت عدتها بعث إليها أبو بكر يخطبها عليه، فلم تتزوجه، فبعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب يخطبها عليه، فقالت: أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنى امرأة غيري - أي أن غيرتها شديدة - فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال صلى الله عليه وسلم: ارجع إليها، فقل: أما قولك:(أنى امرأة غيري) فسأدعو الله فيذهب غيرتك، وأما قولك: (أني امرأة مصيبة) ، فستكفين صبيانك، وأما قولك: (ليس أحد من أوليائي شاهدًا) ، فليس أحد من أوليائك شاهد ولا غائب يكره ذلك، فقالت لابنها عمر: قم فزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجه [1] ، وفي هذا الحديث دليل على إمكانية ذهاب الغيرة بالدعاء، ومما لاشك فيه أن فكرة الزوجة الأخرى وما يتعلق بها أمر له خطورته النفسية، ولكن تقديم النموذج الطيب للعلاقة الكريمة بين الزوجات أمر له أثره في معالجة هذه الخطورة.

وهذه عائشة تتحدث عن زينب رضي الله عنها فتقول: (وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم أرقط خيرًا في الدين من زينب وأتقى لله وأصدق حديثًا وأوصل للرحم وأعظم صدقة وأشد ابتذالًا لنفسها في العمل الذي تصدق به وتقرب به إلى الله تعالى ما عدا سورة من حدة كانت فيها تسرع منها الفينة) [2] ، وتقول عائشة أيضًا وكان النبي صلى الله عليه وسلم سأل زينب بنت جحش - زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن أمري: (يا زينب ما علمت أو ما رأيت؟ فقالت يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، ووالله ما علمت إلا خيرًا) .

قالت عائشة: (وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فعصمها الله تعالى بالورع) .

وهذا حوار بين الاثنين:

قالت زينب: (يا عائشة ما قلت حين ركبتيها - أي الناقة في حادثة الإفك - قالت: قلت: حسبنا الله ونعم الوكيل. قالت زينب: قلت كلمة المؤمنين) .

وكم كان جميلًا من عمر بن الخطاب [3] رضي الله عنه أن يستبدل لفظ (جارة) بلفظ (ضرة) ، فيقول لابنته حفصة: (لا يغرّنك إن كانت جارتك أوسم منك) يعني عائشة.

وليس الزواج من زوجة الشهيد هو الصورة الوحيدة لأداء واجب الجماعة تجاه أهل الشهيد، بل قد يكون لهذا الشهيد أبناء تتعارض مصلحتهم مع فكرة زواج الأم، وعندئذ يكون صبر الأم عن الزواج لتربية هؤلاء الأبناء هو الأمر الواجب، بدليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا وامرأة سعفاء في الجنة [4] كهاتين: امرأة آمط من زوجها فحبست على يتاماها حتى بانوا أو ماتوا) .

(1) أخرجه النسائي في (النكاح) (81 - 82/ 6) .

(2) الحديث رواه مسلم فضائل الصحابة 13 (206/ 15) شرح النووي. قال النووي: ( ... والسورة: الثوران وعجلة الغضب وأما(الحدة) فهي شدة الخلق وثورانه، ومعني الكلام أنها كاملة الأوصاف إلا أن فيها شدة خلق وسرعة غضب تسرع منها. الفينة - بفتح الفاء وبالهمز - وهي الرجوع أي: إذا وقع ذلك منها رجعت عنه سريعًا ولا تصر عليه).

(3) متفق عليه: البخاري (57/ 8) ومسلم في الطلاق (1479) من حديث ابن عباس عن عمر رضي الله عنه.

(4) رواه أحمد في مسنده (29/ 6) من طريق شداد أبي عمار عن عوف بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: في الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت