الصفحة 25 من 64

وهؤلاء هن نسوة النبي صلى الله عليه وسلم يتظاهرن عليه ويطالبن بتغير المعيشة بعد أن جاءت الأموال وتحقق التمكين؛ فأمر الله سبحانه النبي صلى الله عليه وسلم أن يضع نساءه بين الرضا بالمعيشة التي هن عليها أو الطلاق، فجاء قوله تعالى: {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا * يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} (الأحزاب: 27 - 29) .

فجاء ذكر ميراث الأرض والديار والأموال - وهو السبب الذي جعل النساء يطالبن بتغير المعيشة - قبل التخير بين الدنيا والله ورسوله والدار الآخرة.

فالمرأة بطبيعة الضعف والطموح والرغبات المادية لا يمكن أن تصدق في جهاد إلا إذا تجردت من تلك الصفات وأرادت الآخرة.

وكما أن إرادة الآخرة شرط في زوجة الداعية لتحمل تكاليف الدعوة فهي أيضًا شرط لكي لا يكون لها تأثير سيىء في زوجها؛ إذ إن للمرأة تأثيرًا

مباشرًا في إحساس زوجها بالدنيا؛ ولهذا يعالج القرآن نظرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الدنيا من خلال توجيه زوجاته إلى العبادة، فيكون تصحيح موقف الزوجة تصحيحًا لإحساس الزوج: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى، وَامُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} (طه 131 - 132) .

وتحقق إرادة الآخرة يعتبر أساسًا لمعالجة صفة خطيرة في المرأة وهي (حب التميز) ، إذ يجب توجيه هذا الشعور إلى الآخرة تفاديًا خطر اتجاهه نحو الدنيا؛ حتى يتفق تجردها للدعوة، وقد عالج القرآن هذا الشعور عند نساء النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا} (التحريم: 5) .

ففي هذه الآية استفزازًا صريح لهذا الشعور من خلال النص: {خَيْرًا مِّنكُنَّ} ، لأن هذا النص أوجد في إحساس نساء النبي وجود نساء أخريات خيرًا منهن، وأصبح حبهن للتميز متجهًا نحو تحقيق الصفات التي ذكرها القرآن للنساء البديلات، وبذلك يصبح التميز دافعًا للعمل الصالح.

ولقد تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع نسائه هذا الأسلوب القرآني فكان يربط التميز بينهن بصالح العمل، فيقول: (ستتبعني منكن أطولكن يدًا) [1] يقصد الرسول صلى الله عليه وسلم ستلحق بي في الآخرة أكثركن كرمًا، ولكن نساء الرسول صلى الله عليه وسلم فهمن أن المقصود هو الطول الفعلي، فأخذت كل واحدة تقيس ذراعها، وتقارنه بذراع الأخريات؛ فأضحك ذلك النبي صلى الله عليه وسلم [2] .

(1) رواه مسلم (8/ 16) في (الفضائل) وسبق تخريجه.

(2) الحديث رواه البخاري وراجع شرحه من صحيح مسلم شرح النووي (8/ 16) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت