واختيار زوجة الداعية يجب أن يكون باعتبارها أنه إدخال امرأة في واقع الدعوة، وليس مجرد إدخال امرأة في حياة شخص، وهذه مسئولية الداعية صاحب الاختيار، وهي مسئولية ليست سهلة؛ فمن أجل هذه المسئولية كان الأمر بامتحان النساء عند دخول واقع الدعوة في المدينة، إذ جئن مهاجرات، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} (الممتحنة: 10) ، فالمرأة تحمل في طبيعتها عناصر خطيرة مثل عنصر الضعف الذي قد يكون تفسيرا لهجرتها، حيث تكون الهجرة ودخول الواقع الإسلامي هروبا من واقع شخصي سيئ لها في جاهليتها لم تستطع مواجهته أو تحمله، أو عنصر الكيد الذي قد يجعل هجرتها ودخولها الواقع الإسلامي مجرد وسيلة أو أسلوب لتحقيق مأرب شخصي أو هدف ذاتي لها، وما يقال في الهجرة يقال في الزواج لأن كلا الأمرين إدخال للمرأة في واقع الدعوة، ودليل هذه الافتراضات هو تفسير ابن عباس: (كان يمتحنهن بالله ما خرجت من بغض زوج، وبالله ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض، وبالله ما خرجت التماس دنيا، وبالله ما خرجنا إلا حبا لله ولرسوله) ، وقول مجاهد: (فامتحنوهن) فاسألوهن عما جاء بهن، فإن كان الذي جاء بهن غضب على أزواجهن أو سخط أو غيرة، ولم يؤمن فارجعوهن إلى أزواجهن، قال عكرمة: (يقال لها ما جاء بك إلا حب الله ورسوله؟ وما جاء بك عشق رجل منا ولا فرار من زوجك؟) [1] .
وفي اختيار الزوج أو الزوجة شرط معروف باسم (شرط التكافؤ) . وفي تحقيق هذا الشرط يجب أن تدخل ظروف الدعوة؛ لأن قبول الأخ المسلم باعتبار ما قدمه للدعوة من جهاد وبذل يعني ترسيخ قيم المجتمع المسلم عندما يقوم ومن هنا يجب أن تنشأ في التجمع الإسلامي الحاسة السليمة التي يأخذ بها كل فرد حقه الاجتماعي بين المسلمين.
ويشترط إلا يتحول تاريخ الدعاة إلى مهور للزواج، فلا يتكلم أحد عن نفسه ولا يذكر جهادا جاهدة ولا محنة أصابته ويصير هذا الحق مرتبطا بتلك الحاسة الاجتماعية العادلة. وفى حادثة زواج بلال دليل على هذه الحاسة وذلك الشرط، إذ قال فيه من قدمه لخطبة إحدى النساء انه مؤذن رسول الله وصاحبه في جهاده ... فاسكته بلال قائلا: (إن تقبلوا فالحمد لله، وان ترفضوا فسبحان الله!) .
وقبول الأخ باعتبار ما قدمه للدعوة من جهاد لا يجب أن يكون هو السبب الوحيد في هذا القبول، وان كان أساسًا له، لأنه - بجانب هذا - يجب أن تكون الزوجة مقتنعة بزوجها اجتماعيًا وشخصيًا وماديًا، لأنه لو قام اختيار الأخ باعتبار دوره في الدعوة فقط فإن هذا سيترتب عليه أن يكون من ضرورات اطمئنان الزوجة إلى زوجها والرضا بمعيشته هو أن تعرف كل شيء عن دوره في الدعوة، لأن المرأة تحب بطبعها أن ترى في زوجها أسباب اقتناعها به، فينشأ خطر رياء الزوج لزوجته في جهاده ودعوته وعمله.
(1) ذكره ابن كثير.