غير أن التربية لها بداية زمنية سابقة على كل هذه الأساسيات.
وهذه البداية تبدأ مع الولادة والرضاعة.
فمنذ لحظة الولادة التي يكون فيها الآذان أول ما يطرق سمعه.
ومرورًا بالعقيقة.
التي يسمي فيها الطفل ويصير له نصيب من اسمه، ويقص فيها من شعره ليوزن ذهب يتصدق به، فتحدد علاقته بالذهب من خلال الشعر المتساقط منه، ليبقي المسلم طول عمره بعد ذلك مالكًا للمادة وسيدًا عليها ... لا يعلوه أي قيمة مادية مهما بلغت.
ويذبح له فيها الذبيحة ... تكريمًا له ووليمة للمسلمين المجتمعين من أجله الفرحين به.
وذلك عندما يرى كل طفل ما يصنع للمولود، فيعرف أنه قد صنع له مثلما يرى.
والتحديد المنهجي لمكانة الذرية في تصور الدعوة هو الذي يحقق أكبر أثر لهذه الذرية على الواقع الجاهلي.
وقد حدد لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المكانة عندما أراد أن يجعل من الشيطان لعبة لأولاد المدينة كما في الحديث الذي رواه مسلم والنسائي عن أبي الدرداء قال: (قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فسمعناه يقول: أعوذ بالله منك، ثم قال ألعنك بلعنة الله ثلاثًا، ثم بسط يده كأنه يتناول شيئًا، فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله قد سمعناك تقول في الصلاة شيئًا لم نسمعك تقوله من قبل ذلك، وأريناك بسطت يدك، فقال إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت أعوذ بالله منك فلم يستأخر ثم قلت ذلك فلم يستأخر ثم أردت أخذه فلولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقًا يلعب به ولدان أهل المدينة) .
وكان مضمون الموقف هو أن (الأولاد) عندما يكونوا أولاد (المدينة) وهي منطلق الدعوة الزماني والمكاني من بدايتها ومعقلها الأخير حتى نهايتها مه نهاية الزمان.
عندما يكون الأولاد أولاد هذه المدينة يصير إبليس هو اللعبة.
خامسًا: قوة الشخصية:
قوة الشخصية القادرة على مواجهة الحياة دون ضعف، من خلال تكوين هذه الشخصية بطاعة الله والإيمان بالقدر، ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم لابن العباس: (يا غلام! احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذ سألت فأسال الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفت الصحف) [1] .
وهذا الحديث له صلة مباشرة بطبيعة الدعوة من حيث إن الذي يمارس من هذه الدعوة يجب أن يكون مؤمنًا بقضاء الله وقدره إيمانًا قويًا ثابتًا.
سادسًا: الممارسة الفعلية للدعوة:
وهذه كانت نصيحة لقمان لابنه، وقيمة هذه النصيحة هي تنمية الإحساس بأي خطأ، والقدرة على الدعوة إلى كل خير حفاظًا على شخصية الابن: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَامُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (لقمان: 17) .
وفي ذكر تلك النصيحة بصيغة توجيه من الأب إلى الابن محاط بمشاعر الأُبوة في مجال الدعوة، حيث إن حرص الدعاة على الناس لا يقل عن حرص الأب على ابنه، ولذلك جاء في تفسير هذه الآية: (فقد أتاه الله الحكمة وهو يوصي ولده الذي هو أشفق الناس عليه وأحبهم إليه، فهو حقيق أن يمنحه أفضل ما يعرف [2] .
وهكذا الدعاة يشفقون ويحبون ويمنحون أفضل ما يعرفون.
(1) أخرجه الترمذي (2516) ، وأحمد في مسنده (293/ 1) ، والحاكم (541/ 3) كلهم من حديث ابن عباس، وله اسانيد عن ابن عباس. وصححه الحاكم ولكن عنده منقطع. كما صححه الترمذي، وهو كما قال وإن كان فيه ابن لهيعة فإنه تابعه الليث بن سعد وهو من رواية ابن المبارك عنهما.
(2) ابن كثير ص: 328 ج 6.