الصفحة 43 من 64

ويقول الله سبحانه وتعالى: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} (البقرة: 223) ، وذلك لتفادي خطورة كبت الرغبة [1] .

سادسًا: أن لا يتركها بعد أن يقضي حاجته منها قبل أن تقضي زوجته حاجتها أيضًا، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جامع أحدكم زوجته، فليصدُقها(يعني فليجامعها بصدق) [2] فإن قضى حاجته قبل أن تقضي حاجتها فليصبر حتى تقضي حاجتها) [3] .

ويفضل الاعتدال بمعني أن تكون الرغبة طبيعية، وأن يكون الجماع في حدود القدرة الإنسانية بلا إرهاق زائد، ولا يدخل في هذا أي عامل غير تلك الرغبة الطبيعية.

ومع تذوق العسيلة، ثم الحمل وانتظار الولد، ثم الولادة يقوى الحب حتى تصبح المشاعر في قمة التآلف، ويتحقق التوافق التام في التفكير والإحساس بين الزوجين، ونراها كما وصفها القرآن تصل إلى حد دعاء الزوجين بدعاء واحد ومشاعر واحدة ولسان واحد. {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} (الأعراف: 189) .

ولعل وصول العلاقة الزوجية إلى ذلك الوجدان عند الولادة من أهم أسباب الحكم الشرعي الذي يقضي بتحرير الجارية إذا ولدت من سيدها، لأن هذه العلاقة الراقية وجدانيًا لا يتفق معها أن تظل (أم الولد) رقيقًا يُباع ويُشترى.

والتعبير عن مشاعر الحب من الأمور التي تزيده وتنعشه، ولذلك كان من وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم لنا قوله: (إذا أحب الرجل أخاه فليخبر أنه يحبه) [4] . أما عندما يكون بين الزوجين فيجب أن يكون التعبير صفة دائمة وبكل الأساليب، وهذا أحد أساليب النبي صلى الله عليه وسلم مع عائشة، إذ يقول لها: (إني أعرف عندما تكوني غاضبة مني تقولي: ورب إبراهيم، وعندما تكوني راضية عني تقولي: ورب محمد) [5] ، وتبادله عائشة مشاعر الاهتمام الدقيق بمشاعرها، فتقول: (والله يا رسول الله لا أهجر إلا اسمك) .

ولا حرج من الإعلان عن الحب بين الزوجين في الواقع المحيط بهما، وقد مر بنا الحديث الذي سألت فيه الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أحب الناس إليه قال: عائشة، قالوا: من الرجال؟ قال: أبوها [6] ، ولعلنا نلاحظ أن تقرير رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن عائشة أحب الناس إليه كان بلا حرج، كما نلاحظ أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما ذكر أبا بكر باعتبار أحب الناس إليه من الرجال ذكره بصفته أبًا لعائشة فقال: أبوها).

(1) يراجع كتاب الطب النبوي لابن القيم (فوائد الجماع عند الرغبة مباشرة) .

(2) أخرجه عبد الرازق في المصنف (194/ 6) عن طريق (ابن جريج) عن أنس أخرجه أبو يعلي في مسنده رقم (4200) و (4201) من طريق ابن جريج عمن سمع أنس عن أنس مرفوعًا وفيه مجهول، ولذلك قال الهيثمي في المجمع (295/ 4) : (رواه أبو يعلي وفيه راو لم يسم وبقيه رجاله ثقات.

(3) حتى تشعر الزوجة برغبة الزوج الصادقة والحقيقة فيها.

(4) أخرجه الترمذي (71/ 7 تحفة) في الزهد وقال: حسن صحيح وأبو داود في الأدب (29/ 14) من حديث المقدام بن معدي كرب وسنده صحيح وأخرجه أيضًا الحاكم (71/ 4) وسكت عليه هو والذهبي، وأحمد (130/ 4) .

(5) متفق عليه: البخاري في النكاح لا (310/ 9) ، ومسلم (253/ 15) من حديث عائشة باختلاف في اللفظ.

(6) متفق عليه وسبق تخريجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت